منهجنا في البحث العلمي
على عتبة قرن الحادي والعشرون
الدكتور: أحمد محمد اللويمي

منهجنا في البحث العلمي
على عتبة قرن الحادي والعشرون


نظرة خاطفة على حياة الإنسان في العقد الأخير من القرن العشرين كافية لبيان القفزة النوعية التي طرأت على كل جانب من جوانب الحياة عما كانت عليه في أوائل هذا القرن . هذا التحول والنقلة في حياة الإنسان هي نتاج التفكر و العمل الدؤوب للإنسان . و قد أُجْمِلَ هذا الجهد البشري الخلاق و المبدع بمصطلح "البحث العلمي" . بهذه الحركة الدؤوبة اللاهثة أنعقدت نطفة مولود القرن العشربن "التكنولوجيا" هذه الأداة التي بها يحدد شكل العالم القادم . ولادة التكنولوجيا أرغمت مؤسسات البحث العلمي والمنظمات الدولية والعالمية المختلفة على إعادة النظر في خططها وبرامجها مستلهمين منها البرامج التي تضمن النمو والتكامل في القرن المقبل . ومن الحقول التي نالها القسط الأوفر من التنظير والتغيير حقلا التعليم والتعلم الذي أصبح للحاسوب وما تفرَّع منه من علوم ، الأساس في إعادة صياغة البرامج والنظم في هذين الحقلين للقرن المقبل . وأما استمرار تحقيق التطور والنمو في علوم الحياة في القرن المقبل أصبح مقروناً بالهندسة الوراثية - هذه الأداة التي تلعب بسر الحياة .

ومجتمعنا العربي الذي تلفحه رياح التكنولوجيا ويرمى على موائده فتاتها في حاجة ماسة لإعادة النظر في وضعه هذا . لِمَ لا ؟ وهو يستحق أن يكون شريكاً ومساهماً في توجيه التكنولوجيا في القرن المقبل بما يمتلك من الكفاءات المتميزة بالفكر الثاقب والمواهب اللامحدودة وموقع استراتيجي لا يغفل في صياغة المستقبل .

ومن الطبيعي أن التحرك نحو تحقيق هذا الطموح في بناء بحث علمي متفوق لا يتسنَّى إلا من خلال الجوانب التالية :

1. إعادة النظر الشامل للبنية التحتية لسياسة التعليم ومناهجه وأهدافه .

2. إعادة النظر في السياسة الأستثمارية للمؤسسات المالية والإنتاجية من خلال تشجيعها لتوجيه أستثماراتها في دعم حركة البحث العلمي .

3. الإعلام المكثف الذي له الدور الفاعل في توطيد الذهنية العامة وإعدادها وصياغتها لدعم هذا المشروع الحضاري المهم والحيوي خصوصاً في توضيح دور البحث العلمي الأصولي والحيوي للمجتمعات المتوثبة للصدارة في القرن المقبل .

4. تشخيص مواطن الخلل والانحراف في منهجنا في البحث العلمي وإعادة صياغته على ضوء المعطيات الراهنة والمواصفات الكفيلة لتلبية طموحنا للخروج من المأزق الذي يعاني منه البحث العلمي في عالمنا العربي .

والدراسة هذه معنية بهذا الجانب من متطلبات الإصلاح للبحث العلمي حيث تركز على تحديد أسباب الخلل والضعف ومن ثم تحديد المناهج الأساسية لبناء نهضة في البحث العلمي للقرن المقبل .

أولا: مواطن الضعف و القوة في منهجنا للبحث العلمي

انطبع منهج البحث العلمي في عالمنا العربي بطابع متميز في شكل نتاجه و مناهج طرقه وأبعاد مقاصده وغاياته . وفي مظهره العام قد لا يكون منهجنا في البحث العلمي متميزاً كثيراً عن السائد في العالم الثالث كما يتراءى لبعض الدارسين والمتتبعين إلا أن ما يخصصه هو الضعف الملاحظ في أنخفاض حجم ونوع إنتاجه المتميز وغلبة الطابع التقليدي لمنهجه والبطء القاتل في تحديث أساليبه وأدواته . كل ذلك إذا ما قورن بالحجم الذي لا يُستهان به من الكفاءات المتخصصة والقدرات المادية والحاجة الماسة والملحة للنظر في القائمة الطويلة من المشاكل المستوطنة والوافدة لعالمنا العربي .

إن رسم صورة لهيئة البحث العلمي المطلوب تعهده وتبنيه في القرن المقبل يكون ممكناً من خلال تحليل عوامل الضعف والقوة في منهج البحث العلمي الحالي . وقد وجدنا دراسة ذلك يتسنى بشكل أوفى وأدق من خلال النظر لأربعة قواعد وأصول قام على أساسها البحث العلمي المعاصر :

1. نمط المدارس البحثية في دراسة الموضوع:

إن معالجة الموضوع في البحث العلمي يعتمد على مدى قدرة الباحث على سبر غوره فقد يتناول البعض الموضوع بشكل عابر وسطحي و يغوص الآخر في أعماق الموضوع درساً وبحثاً وتنقيباً وتحليلاً قد يستغرق العمر كله . وقد أفرز التباين في نمط البحث العلمي لعلاج المواضيع المبحوثة مدرستان متباينتان تسود الأولى عالمنا العربي ، وطبعت الأخرى البحث العلمي في مؤسسات الدول المتقدمة بطابعها الخاص . ويمكن أن نصف الأولى بمدرسة التنوع في مواضيع البحث والأخرى بمدرسة التخصص .

مدرسة التنوع السائدة في المؤسسات البحثية الأكاديمية في عالمنا العربي تتبنى فكرة الموسوعية والتلون في البحث مما يجعل السيرة الذاتية للباحث المنتمي لهذا المنهج مصداقاً للمثل القائل (من كل بحر قطرة) ، فإذا كان الباحث متخصصاً في علم الفيروسات الطبية مثلاً تجد أبحاثه قد تناولت معظم الفيروسات المستشرية في منطقته ولوسع دائرة البحث وتشعبه يكون من المتعذر على الباحث أن يعالج كل فيروس علاجاً كفيلاً بإيجاد الحلول الشافية الكافية للتغلب عليه . ويظهر جلياً للمستعرض لهذا التمثيل لمدرسة التنوع أن البحث فيها سطحياً غرضه تحقيق نتائج سريعة وآنية وأن الباحث يعلم عن كل شيء بقدر موازٍ للمعلومة المستخرجة من قاموس اللغة لا بقدر كافٍ لاجتثاث المشكلة من جذورها أو فتح مجال جديد للمشكلة المستهدفة في البحث . فإذا التشتت وعدم التركيز سمة سلبية في مدرسة التنوع ، فالإيجابية التي تتميز بها هي الشمولية في توفير المعلومات الأولية الضرورية اللازمة لمعرفة أنواع المشاكل وأسبابها للقضية المدروسة ، إلا أن الأقتصار على هذا المنهج في البحث العلمي مضر وعديم الفائدة في تحقيق قاعدة علمية متينة .

أما المدرسة الغربية المتبنية لمنهج البحث العلمي المتخصص الذي يمثل الأسلوب الرائج عند الباحثين في معاهد الدول المتقدمة , قد أثبت قيمته العلمية ونجاحه في تحقيق الكثير من الاكتشافات العلمية الباهرة ، والبحث في هذه المدرسة يبدأ في علاج القضية العلمية من قاعدة عريضة ثم يحدد معالم القضية وأبعادها وعناصرها منتهياً بذلك إلى نقطة أضيق وهدف محدد يتحرك البحث نحوه ويستمر للكشف عن أهداف القضية متغذياً ومتقوماً بمصدرين أساسيين :

الأول : الجوانب التي عجز البحث في تحقيق النجاح فيها وذلك بإعادتها من زوايا مختلفة أو إدخال تقنيات متطورة أو مختلفة على البحث .

الثاني : النتائج التي جاءت بالتساؤلات الجديدة .

قد يتضح هذا المنهج أكثر إذا ما استعرضنا أحد جوانب دراسة مرضية فيروس الأنفلونزا ((The Pathogenesis of Influenza Virus)) . فالقاعدة العريضة التي منها انطلق البحث التساؤل حول العناصر التي تتحكم في ضراوة فيروس الأنفلونزا ((Influenza Virus Virulent Factors)) وعلاقتها بالحمى المتولدة نتيجة الإصابة بالفيروس ، وفي ظل هذا التساؤل العام وبعد سنوات من البحث المضني حدد الدارسون أن مقياس الحمى في المصاب عنصر مهم في تحديد ضراوة الفيروس فأشد فيروسات الأنفلونزا ضراوة أقواها في إثارة الحمى ، ونتجت من هذه الدراسات الطويلة نتيجتان مهمتان كانتا السبب في خلق خطين متوازيين من البحث العلمي :

الخط الأول : دراسة أجزاء الفيروس المسؤولة عن تحفيز الجسم لإفراز العوامل الداخلية للحمى ((Endogenous Pyrogens)) واستهدف بحثنا في الدكتوراة الكشف عن أجزاء الفيروس المسؤولة عن إثارة الحمى ((Pyrogenic Components of Influenza Virus))

الخط الثاني: دراسة وتحديد نوع الإفرازات الداخلية ((Endogenous Pyrogens)) للحمى في الجسم التي يتسبب الفيروس في إثارتها ، والبحث ما زال جارياً في المعهد المختص..

يتضح من هذا الاستعراض أن البحث العلمي لهذه المدرسة هرمي الشكل في تبنيه للمسائل العلمية المدروسة . لذلك يتطلب من الباحث المتبني لهذه المدرسة سعة البال وطول الأناة . ولكن بالرغم من قدرة هذه المدرسة البحثية من تحقيق النتائج العلمية المفيدة والبناءة إلا أن تبني هذه المدرسة لأي باحث محقق في عالمنا الثالث غير صحيح ابتداءً وذلك للدقة المتناهية في التخصص والأسلوب التأسيسي من القواعد حتى السقف ، بل في عالمنا الثالث يفضل أن يتبنى الباحث المدرسة القائمة على أساس التنوع وذلك لتوفير المعلومات الأولية التي يستند عليها البحث . إلا ان الاقتصار كما أسلفنا على هذه المدرسة كمنهج في البحث مضر وغير مجدي ثم بعد أرساء هذه القاعدة المعلوماتية يتحرك الباحث بانسيابية في اختيار إحدى المشاكل المدروسة لتسليط الضوء عليها وذلك بتحديد معالمها وحدودها وآفاقها ثم يختار من القضية الموضوع الذي يمثل قلبها الذي يحدد مسار البحث ونمطه التخصصي من الوسائل والطرق وشتى ما يحتاجه من التقنيات البحثية ويكون بذلك قد تم انتقاء النقطة العلمية التي منها سينطلق في دراسته التخصصية متبنياً بذلك وحدة الموضوع في البحث العلمي وبذلك يكون الباحث قد جمع إيجابيات كل من المدرستين في البحث العلمي .

العوامل التي جعلت من مدرسة التنوع مستفحلة في معاهدنا لا تتعدى ظاهرتي التشرذم والاجتهاد الشخصي في البحث العلمي في معظم الدول في العالم العربي . بالرغم من الجهود الحثيثة المبذوله من قبل الوزارات المعنية في الدول العربية و المؤسسات العلمية لجامعة الدول العربية لمحو آثار هذه الأرتجالية و الأحباط الذي يعاني منه الباحث العربي . من الجهود التي بذلت في هذا المجال أنشاء أتحاد مجالس البحث العلمي في عام 1975 و أتخذ من العاصمة العراقية بغداد مقرا لأمانته بالأضافة الى عشرات الأتفاقيات المعقودة في التبادل العلمي بين الدول العربية و قواعد المعلومات للباحثين العرب . إلا ان هذه الجهود عجزت عن إحالة الأحباط الذي يعاني منه الباحثون الى واقع مفعم بالتفاؤول و التطلع لمنجزات بحثية أفضل .. في ظل هذا الغياب القاتل يسعى الباحثون العرب جماعات وأفراد بشتى الطرق والوسائل المتاحة لإشباع طموحهم العلمي باستغلال ما هو متاح وتناول ما هو متيسر لعمل بعض الأبحاث والتي غالباً ما تنحصر في مدرسة التنوع لشح التقنية العلمية والدعم المالي في إرساء مشاريع بحثية طويلة الأمد .

إن كسر الطوق المضروب على البحث العلمي في مدرسة التنوع وإطلاق عنانه نحو مدرسة التخصص أمر يمكن تحقيقه من خلال تعميق وتركيز الوسائل والنظم التي تحرك البحث العلمي نحو تمكين الباحثين من مزاولة البحث العلمي في مدرسة التخصص بكل يسر وسهولة . والوسائل التي تحيل هذا الحلم إلى واقع متعددة ومتشعبة يمكن الإشارة إلى أحداها والذي يستند إلى صفة التكامل التي يتمتع بها العالم العربي وذلك عبر بناء المراكز البحثية المتخصصة على مستوى العالم العربي على حسب الحاجة الملحة والضرورة القصوى وتوفر الأرضية الموضوعية فإنشاء مركز بحثي لمرض الليشمانيا على سبيل المثال يكون منطقياً جداً في إحدى المناطق العربية التي يستوطنها هذا المرض بشكل مكثف أو مركز بحثي في العمارة الإسلامية في إحدى المدن العربية المتميزة بهذا الفن المعماري ومركز بحثي في أمراض السرطان بجوار أحد المراكز الطبية التي تستقطب عدداً أكبر من المصابين به . ومن خلال هذا التنوع في البحث العلمي المتخصص الذي يستقطب الجهود الموحدة والمركزة تنمو الكفاءات المتخصصة وتتشعب التخصصات من الدقيق إلى الأدق . إن سر الطفرة التي يتمتع بها البحث العلمي في العالم المتقدم يرجع إلى مدرسة التخصص ولا طفرة للبحث العلمي في عالمنا بدون تبني هذه المدرسة .



2. البنية الاساسية المساندة لليحث العلمي

البحث العلمي في العلوم التطبيقية يختلف عن العلوم الإنسانية والأدبية لأعتماده على بنية أساسية مرتكزة على : التجهيزات العلمية والفنية والدعم المالي السخي الدائم والكوادر العلمية المتنوعة والمدربة أحسن التدريب . ويرجع تخلف البحث العلمي وجموده في عالمنا إلى انعدام سياسة واضحة واستراتيجية بعيدة المدى في تطوير وتحسين واستغلال الإمكانات الفنية والتقنية وغياب إدراك واضح للمؤسسات المعنية في دورها في تطوير وتكثير الكوادر العلمية المتخصصة في حقول البحث العلمي التطبيقي . والأمر يصبح أكثر جلاءً من خلال دراسة العوامل والظروف الموضوعية التي حددت وكسبت الطابع الحالي لهاتين القاعدتين في معاهدنا العلمية .



1. الإمكانات التقنية و الفنية و المالية:

ترجع المشكلة في الإمكانات التقنية إلى تكدس أصناف معينة من الأجهزة والمواد وشح شديد في آخر . و الأهتمام غير المشجع للخدمات الفنية المساندة البشرية منها و التقنية و الأدارية . والمشكلة في عدم توفر الإمكانات التقنية المتكاملة ترجع بشكل رئيسي إلى انعدام التنظيم في تصنيف الإمكانات التقنية التي تمثل صفة الأساس والجوهر للبحث العلمي . التراكم في تقنية ما والشح في أخرى يرجع بشكل رئيسي إلى التشتت في البرمجة التي تكفل التكامل وضمان دوامه في جميع الجوانب التقنية و تحديثها الدائم في مجال البحث العلمي التطبيقي .

وتكمن مشكلة الإمكانات الفنية المساندة في انعدام القطاع الصناعي الذي يوفر كافة المواد الضرورية واللازمة للبحث العلمي وذلك لاحتكار الشركات الأجنبية لهذه المواد الأساسية من خلال امتلاكها لبراءة الاختراع لكثير من المواد المستعملة في البحوث . والعالم العربي بحاجة ماسة لبناء قاعدة صناعية تسد هذا العجز المهم لتحرير مؤسساتنا البحثية من التبعية . بشكل عام , البحث العلمي الناجح بحاجة إلى تكامل في التقنية والإمكانات الفنية التي لا مناص من توفرها . و البحث العلمي في عالمنا يريد أن يستمر وينجح ويتقدم دون محاولة التصحيح للفقر الجلي في هذه الإمكانات .

أما الدعم المالي للبحث العلمي في العالم العربي فجله حكومي ولا دور للقطاع الخاص إلا ما ندر في دعمه وإسناده وهو عكس ما يُلاحظ في الدور السخي والحيوي لهذا القطاع في العالم المتقدم . ومشكلة تقاعس القطاع الخاص في دعم البحث العلمي في اعتقادي يرجع إلى إيمانه المتدني بكفاءة و قدرات الباحثين العرب ولغلبة الربح والخسارة المادية في حساباته. فالقطاع الخاص في عالمنا العربي لا يدعم بحثاً ولا يمول مشروعاً بحثياً إلا بعد اطمئنانه أن أرباحه لا تُجنى إلا في سلته , و نتيجة طبيعية لهذه النظرة, أن نرى القطاع الخاص لا يدعم منهج النفس الطويل في البحث العلمي ولا الأبحاث التي تمثل الأساس والمساند للأبحاث التطبيقية . إن القطاع الخاص يفتقر للرؤية الواضحة في الدور الذي يمكن أن يلعبه في مساندة الاستقلال الوطني ودعم الأمن القومي من خلال تبنيه سياسة تشجيع ومساندة المؤسسات العلمية البحثية التي تعتبر اليوم من الأسس المهمة في رسم البعد الثالث لأستقلال الدول المعاصرة .



2. الكوادر العلمية

لم يمر العالم العربي في أي فترة من تاريخه بأفضل من هذه الفترة التاريخية من حيث وفرة وتنوع الكوادر العلمية على مختلف الأصعدة والمستويات العلمية . ولكن , بالرغم من هذه الوفرة نبقى عاجزين عن تحريك البحث العلمي نحو الإبداع والمشاركة الفعلية في تطوير المعرفة الإنسانية . يا تُرى أين يكمن الخلل ؟ هل في الكوادر وكفاءاتها أم النظام العلمي الأكاديمي الذي يرعاها ويربيها ؟

لا شك في كفاءة كوادرنا العلمية ومؤهلاتها العالية من خلال ما أثبته الكثير من المؤهلين العرب من الإبداع والإنتاج المتميز أبان دراستهم أو تدريسهم في معاهد الدول المتقدمة .والواضح الجلي أن النظام العلمي الأكاديمي المتبع في معاهدنا العلمية يمثل أحد أهم العوامل المثبطة للإبداع العلمي للكوادر العلمية . إلا أن الظروف والعوامل التي تتظافر في جعل هذا النظام يتمادى في إفراز الواقع غير واضح في تصوري .

إن دراسة هذا الواقع الذي لا يكفل للباحث الأبداع بحاجة إلى مساحات منفردة على صفحات نشراتنا الجادة لأخذه بالدراسة والتنقيب والتحليل .

3. أخلاقيات البحث العلمي

الأساس الأول في نجاح البحث العلمي وترقيه هو مبادئ وسلوك الباحث التي تُقام على أساس طلب العلم للعلم ومعرفة الحقيقة وكشف أسرارها . إن الحوادث التي حفظها التاريخ عن علماء المسلمين الأوائل تثير الانتباه لمدى تحليهم بالأخلاق المثالية العالية والسلوك الرفيع الذي قد يبلغ بهم في سبيل طلب العلم والمعرفة بذل مهجهم وكل غال ونفيس وتحمل المشاق في سبيل الوصول للحقيقة والمعرفة ، ولا عجب أن يخلد العلماء السابقون وقد خلفوا وراءهم من العلوم والمعارف ما اعتُبرت بحق الأساس المتين للعلوم الحديثة المعاصرة . ولكن من المؤسف أن يعيش الباحث في عالمنا اليوم أجواءً تخيم عليها جملة من المفاهيم والأخلاق الغريبة والمستهجنة التي لها الأثر البالغ في تخلف مسيرة البحث العلمي في معاهدنا العلمية . من العقبات السلوكية التي تعمل عمل المعول الهدام للبحث العلمي عندنا :

أ‌. البحث للترقية لا للعلم و المعرفة

من الأمور المسلم بها أن للهدف دوراً مهما في شكل الوسائل التي يُراد بها البلوغ إليه . ومدى الطموح والهمة في طلب الحقيقة وسبر أغوارها بالبحث العلمي لا يشذ عن هذه القاعدة ، ومن المؤسف أن تُستغل هذه الوسيلة الشريفة - البحث العلمي - وأداة الإنسان في الاطلاع على أسرار الوجود والحياة في معاهدنا لنيل مراتب ومقامات إدارية جوفاء ليحقق البعض من ورائها أرباحاً مادية أو يصنع بها واجهات اجتماعية . ولا يخفى على اللبيب أن استشراء استغلال البحث العلمي لنيل الترقية العلمية فحسب دون النظر لتنمية المعرفة والاستزادة منها قد عمل على استشراء المستوى الهابط والحشوي من ما يسمى بالبحوث العلمية .

إن إعادة الترتيب في منهجنا للبحث العلمي كي يكون صالحاً للقرن القادم بحاجة إلى مساحة كبيرة من الإصلاح والتربية لهذا السلوك الخاطئ والهدف الضال في البحث العلمي .

ب‌. الأنانية و التكتم على الحقائق العلمية

تعمل الأنانية والاستفراد بالنتائج العلمية عملها المؤثر في تضعيف الآفاق التي يمكن للبحث أن يسلكها في معاهدنا العلمية ، تبلغ الأنانية بكثير من الباحثين إلى الاستفراد ببعض الأجهزة وحرمان الآخرين من استغلالها أو التكتم على كثير من المراجع العلمية التي تختصر أو تضيف أو توفر الكثير من الجهد في البحث . و يتخذ التكتم على الحقائق عند البعض من الباحثين شكلاً غريباً من انعدام الثقة والاطمئنان في كشف ما توصل إليه من النتائج العلمية خلال مناقشتها خوفاً من أن تُسرق الفكرة أو النتائج منه وينسبها الآخرون لأنفسهم . نعم قد يتراءى ذلك ساذجاً وسخيفاً إلا ان هذه الأجواء أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية في المعاهد العلمية .

لا غرابة أن يبقى الكثير من ما يُطبع من الأبحاث العلمية في الدوريات العلمية المحلية اجتراراً وتكراراً لاستشراء روح التفرد والتكتم التي تؤدي إلى تفريغ البحث العلمي من روح النقد والمراجعة والتقويم وأيضاً لاستشراء هذا السلوك تبقى الأبحاث العلمية فارغة المحتوى هزيلة الإنتاج .

ت‌. الألقاب و العناوين

إن الجامعات والمعاهد العلمية ابتكرت الألقاب والعناوين العلمية كالأستاذ والبروفسور والعلامة وغيره من الألقاب العلمية التي غرضها تشريف وتكريم الشخصيات التي بذلت مهجها واستثمرت حياتها في البحث العلمي لسعادة الإنسان وتطوير حياته مادياً ومعنوياً ولتكريم المتميزين وذوي الكفاءات العالية ، ويظهر من هذا أن الألقاب والعناوين لا تُعطى دون مقابل ولا تُبذل دون عطاء متميز وهي -أي الألقاب- بهذا أداة تحفيز وتشجيع للجهود لبذل أقصى ما يُستطاع لتحقيق جهد علمي يفيد الإنسان . وفي معاهدنا أصبح من الطبيعي بل من الضرورة الملحة تدبيج اسم أي شخص له حظ من المعلومات بسلسلة طويلة باهتة مملة من الألقاب الجوفاء ومن يغفل عنها يرتكب جريمة لا تُغتفر . وقد تركت هذه الألقاب بصماتها الواضحة في تراجع بحثنا العلمي لتوفر البيئة المناسبة والوسط الملائم لنمو المتطفلين على العلم والمنتحلين له . فأنَّى لبحث علمي وقد شارف الدخول في القرن الواحد والعشرين أن يكون له دور في صناعة مصير الإنسان و عناصره الأساسية مشغولة في اللهث وراء العناوين والألقاب الزائفة .

4. الدراسات العليا و دورها في تنشيط البحث العلمي

تمثل الدراسات العليا عصب الحياة والشريان الحيوي للجامعات و المعاهد العلمية في دوام بقاء البحث العلمي منتعشاً . في عالمنا العربي برامج الدراسات العليا على نوعين : إما برامج يكمل الطالب جميع متطلباتها بالداخل وأخرى يُبتعث الطالب لإحدى الجامعات الأجنبية للأنضمام لأحد البرامج القائمة هناك . ويُلاحظ في العقود الأخيرة أن الكثير من الدول العربية تركز في الابتعاث على البرامج التي تتميز بحداثتها وأهميتها كتقنية علمية لا غنى عنها في عالم اليوم .

والأهمية الاستراتيجية في استمرار ابتعاث الطلاب لتدريب الكوادر العلمية التي تسهم في رفع المستوى العلمي والتقني لبلادنا أمر لا غبار عليه . لكن ما يثير الانتباه هو كيفية التقريب في الهوة بين برامج الدراسات العليا في الداخل وتلك التي في الخارج . ويمكن رسم حدود الفراغ القائم بين الدراسات العليا في الداخل والابتعاث من خلال هذه الاستفسارات :

- لماذا يولى الأبتعاث للدراسات العليا للخارج اهتماماً أكبر من تلك التي في الداخل على مستوى الدعم المالي واللوائح المنظمة والعناية المعنوية ؟

- هل هناك تخطيط لاستبدال البعثات الخارجية إلى برامج داخلية يُملأ ما قد يطرأ عليها من نقص بالمشورة أو التواصل العلمي عبر قنوات علمية تقوم على أساس تبادل الخبرات في الداخل والخارج ؟

- أيهما أنفع لمعاهدنا ؟ طالب تدرب في أجواء وعلى إمكانيات تقنية مفقودة في معاهدنا أم طالب عايش الداخل وتطبـَّع على أجوائه وإمكانياته ؟

الواضح الجلي أن معاهدنا وجامعاتنا بين نارين في برامج الدراسات العليا نار البعثات الخارجية التي تنتج كوادر تستخدم أحدث التقنيات العلمية والأبحاث المستقبلية إلا إنها عاجزة عن العمل في معاهد تفتقر لأبسط ما تدرَّب عليه وتخصَّص فيه ، ونار الدراسات العليا في الداخل التي تعاني من اجترار الأبحاث وتكرار ما سبقنا إليه الآخرون والانشغال في إدخال المحسنات التقنية العلمية على بعض الأبحاث القديمة .

فلا جرم أن تبقى الدراسات العليا في عالمنا أسيرة باحث متخوم بالتقنية عاجز عن ممارستها عند عودته وآخر يجتر ويكرر بحثاً قُتل تكراراً .

الدراسات العليا هذا الرافد الغني للبحث العلمي بحاجة لنقلة نوعية متميزة من خلال التقريب في الفجوة بين البرامج العليا في الداخل وتلك التي في الخارج . والأساس في هذا التقريب يكمن في جعل الدراسات العليا في الداخل هي الأساس الذي تنصب عليه جهودنا المستقبلية ، فالدراسات العليا في الداخل بحاجة ماسة وحيوية لإعادة النظر في برامجها العلمية ومحتوياتها وأنظمتها الأكاديمية كما هي بحاجة لمراجعة اللوائح المنظمة لها خصوصاً تلك المتعلقة بالدعم المالي لتنشيط البحث العلمي الراقي وتوفير الإمكانات التقنية والمادية التي تساعد على توفير الاتصال اليسر بالخارج والحضور عند اللزوم للمشورة أو التدريب على تقنية علمية يتطلبها البحث .

إن الغرض الرئيسي في تدعيم الدراسات العليا في معاهدنا وجامعاتنا هو تقليص الحاجة للابتعاث للخارج وتقويم الخط السائد للدراسات العليا في معاهدنا لإخراجها من برامج غرضها تخريج حملة شهادات لا غير إلى برامج تُسهم إسهاماً استراتيجياً في دعم قدراتنا الوطنيه للأسهام الفاعل والمتميز في المعرفة الإنسانية في القرن المقبل .

الخاتمة


ما يثلج الصدر أن عالمنا العربي في أحسن حال وأعلى المراتب من وعيه وإدراكه للتخلف وأبعاده وهذه إيجابية مهمة وضرورية لتجاوز التخلف وهجره . والمطلوب في مرحلة وعي التخلف , هو تحديد الروؤية ورسم الطريق نحو الهدف كي لا يتحول وعي التخلف إلى دائرة مغلقة لا يرى فيها إلا نقطة البدء .

وأهم ما يتطلبه الطريق نحو بحث علمي رائد في القرن المقبل لا كما يُقال ويكثر الحديث عنه هو تقريب الهوَّة بيننا وغيرنا بل الأهم من هذا هو تحديد الرؤية والهدف الواقعي للبحث العلمي في عالمنا . أن تحديد الرؤية للهدف المطلوب ، والغاية المرجوة من البحث العلمي مصيري إلى حد إما أن نكون في القرن الواحد والعشرين بكل عطائه وميزاته أو نكون فيه تراثاً من هذا القرن الذي أوشك على الأنصرام .

السؤال الذي يمثل الهيكل الأساسي للرؤية المنشودة و الهدف المطلوب هو :
ماذا نريد من البحث العلمي أن يحقق من تحول في عالمنا ؟


من الواضح الجلي الذي لا ريب فيه أن الغاية المنشودة في إعادة النظر في منهجنا للبحث العلمي هو أن نكون على وعي تام أن لا نكون نسخـاً لغيرنا بل لنا أهدافنا ومبادئنا وقيمنا وحضارتنا .

إن إعادة تشكيل منهجنا في البحث العلمي يكون مقرونـاً بالأصالة والهوية الذاتية فقط إذا ما قام ذلك على أساس التعريف الأصيل لمعنى (التقدم) لا على الأساس الشائع له .

والأصالة في تعريف هذا المصطلح تكمن في قدرة تراثنا الفكري على توليف ما يستجد بقولبته وتطويعه للفكر العربي الإسلامي الأصيل .

إن الإبداع المرجو من إعادة النظر في منهجنا للبحث العلمي مرهون في الدرجة الأولى بهذه الأسس الفكرية الواضحة وما يتبع ذلك من متطلبات تفصيلية في الوسائل المطلوبة لتطويع الأساليب البحثية واللغة العلمية السائدة وتوجيهها ضمن قنواتنا الفكرية والحضارية ميسور في ظل وضوح الشكل النهائي للبحث العلمي المراد إقامته للقرن المقبل .



المراجع


1. الدباسي , عبدالرحمن بن أبراهيم , مراكز البحث العلمي في الجامعات السعودية آمال مستقبلية للتنسيق و التعاون. ورقة مقدمة الى ندوة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية , رؤى مستقبلية 25-28/10/1418 . الجزء الأول ص 219-235

2. الحمود , احمد بن حماد و الجنوبي , سعد بن عبد العزيز. الأبتعاث في الخدمة المدنية . ورقة مقدمة الى ندوة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية , رؤى مستقبلية 25-28/10/1418 . الجزء الثاني ص 435-445.

3. محمد سعيد, سيد أحمد, تعاون أعضاء هيئة التدريس مع القطاع الصناعي . ورقة مقدمة الى ندوة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية , رؤى مستقبلية 25-28/10/1418 . الجزء الثاني ص 525- 533 .

4. اللائحة الموحدة للبحث العلمي في الجامعات السعودية الصادرة من مجلس التعليم العالي بقرار رقم 2/10/1419 و الموافق عليها بالقرار السامي رقم 7/ب/4403 و تاريخ 2/4/1419 .

5. اللائحة الأساسية لأتحاد مجالس البحث العلمي العربية . بغداد - الجمهورية العراقية (1976) .