مدخل إلى علوم التربية



" تختص الوضعية التربوية في جوهرها ، بالتأثير الذي يمارسه الفرد أو الجماعة في فرد أو جماعة بغرض التعديل والتغيير ، وبحكم تعقد الوضعية التربوية ، يمكن التمييز بين الشروط العامة المتعلقة بالمستوى المؤسساتي الشامل ( النظام التربوي فيمجتمع ما مثلا..) والشروط المحلية ( من قبيل المؤسسة المدرسية وجماعة المدرسين وأخيرا الشروط المرتبطة بالعلاقة التربوية ( مثلا العلاقات بين أعضاء جماعة القسم ) هذا التعدد في المستويات هو ما يفسر عمق التعدد في علوم التربية وبالتالي ضرورة مقاربة الظاهرة التربوية في اتجاهات ومستويات عديدة .."

إن الحديث عن علوم التربية يتطلب الخوض في عدة قضايا ، منها مايرتبط بخصوصيات الظاهرة التربوية ، ومنها ما يعود إلى تطور الفكر التربوي ،فعلى سبيل المــــثال كل مــحاولة لتعريف مصطلح علوم التربـــــية تفرض علينا عرض مشــــكلات من قبيل : تعدد تصنيفات هذه العلوم ، والعــــلاقة بين البيداغوجيا والديداكتيك ، أو بين البيداغوجيا وعلوم التربية ، تعقد الظاهرة التربوية … ، وهكذا نجد أنفسنا ملزمين بتقديم مجموعة من المعطيات في محاولة للإحاطة بمفهوم علوم التربية شكلا ومضمونا .

· ملاحظات أولية
(1تعدد التصنيفات باختلاف المعايير المعتمدة في هذه العملية
- الجوانب المستهدفة في الشخصية
- المناهج المستخدمة في مقاربة الفعل التربوي
- حسب المشاركين في الممارسة التربوية
2) تظل التصنيفات مفتوحة أمام ظهور علوم تربوية جديدة
- التطور الذي يمس الممارسة التربوية
- ظهور تقنيات أو وسائل جديدة
- ظهور حاجات جديدة
3) تختلف التصنيفات في معاهد التكوين حسب تصور مبرمجي مادة علوم التربية الخاص بحاجات المكونين
4) تختلف حسب المجهود الذي يقوم به الباحث المصنف وحسب النماذج التي تكون اكثر وراجا في ميدان بحته .
5) البيداغوجيا كمفهوم متعدد الجوانب: من البيداغوجيا إلى علوم التربية
اشتقت الكلمة من تركيب يوناني للفظة بيداغوجيPédagogue التي تعي Peda الطفل Agogé الموجه القائد ، وهي تعني الشخص المكلف بقيادة الأطفال إلى المدرسة خاصة ، ومن ثم أخذت اللفظة في معناها الاصطلاحي معا متعددة ويتساءل اوبيير قائلا هل البيداغوجيا علم ، أم هي صناعة ؟ أم هي فن ؟ أم فلسفة عملية بوجه خاص؟ أم هي كل ذلك في وقت واحد " وأثناء بحثه عن دلالة المصطلح لدى المفكرين التربويين وجد ما يلي :
*Marion علم التربية ، جسدية كانت أو عقلية أو خلقية
· دوركهايم يصفها كصناعة تجمع التفكير المطبق بأكبر منهجية ممكنة على أمور التربية (كعلم وسط ) بين علم التربية أو علم الاجتماع التربوي وبين فن التربية الحق.
· Hubert هي بناء ذو عدة طبقات يجعلها علما وتفكيرا عمليا وصناعة وفنا في آن واحد.
· Lafon البيداغوجيا هي تقنية للتربية وتعتبر في نفس الوقت علما وفنا إنها علم لان لها قاعدة تتضمن معطيات محدودة ، وهي فن إذا راعينا الجانب التطبيقي لعلوم التربية ونظرياتها
· معجم لاروس هي علم وفن التربية.
6) إن الاختلاف في اهتمامات البيداغوجيين وجه بعضهم إلى التخصص في مجال دون آخر ، وتركزت الأبحاث البيداغوجية بالتالي حول موضوعات متنوعة مثل طرائق التربية والتدريس ، الوسائل التعليمية الامتحانات ، النظم التعليمية ، المحتويات الدراسية ، تكوين المربين …، وكخلاصة أولية ظهر تأثر الباحثين في مختلف هذه الموضوعات بأحد العلوم ، إذ اعتمد الباحثون على مختلف العلوم التي تهتم بالإنسان لدراسة مواقف تربوية أو جانب من شخصية المربي أو المستهدف من التربية أو مكون من مكونات الممارسة التربوية ، وظهرت بذلك علوم تربوية متعددة ، وأصبحت الحاجة تفرض تحديد تعريف عام يستجيب لهذا التعدد والتنوع ، ويمكن من الاجتهاد في مجال تصنيف مختلف هذه العلوم .
إن علوم التربية إذن هي مجموع الدراسات التي تقام حول النشاط التربوي ومختلف مكوناته وعوامله ونتائجه – بالانطلاق من نتائج الأبحاث في مختلف العلوم المرتبطة بالإنسان مضافا إليها مختلف المباحث التي تنظر أو تؤرخ أو تخطط للتربية.

تعريف موجز لأهم علوم التربية
أولا-علوم تدرس الشروط العامة والمحلية للمؤسسة المدرسية.
1- تاريخ التربية : يتحدد الهدف من هذا العلم في تمكين المهتمين من معرفة تطور التربية انطلاقا من دراسة :
أ‌- تاريخ الفكر البيداغوجي
ب‌- تاريخ المناهج والتقنيات البيداغوجية .
ج – تاريخ المؤسسات البيداغوجية .
2- السوسيولوجيا المدرسية ( سوسيولوجيا التربية)
يهتم هذا العلم بدراسة موضوعين رئيسيين هما:
أ‌- المدرسة كمؤسسة داخل المجتمع أو العلاقة بين المجتمع والمدرسة
ب‌- التطور الداخلي للمدرسة ، المدرسة كمجتمع
3-الديمغرافيا المدرسية : يعتبر المتعلمين كسكان للمدرسة ، وبالتالي تتوجه الدراسة نحو مايلي :
- تحديد خصائص المتعلمين من حيث الجنس والسن والمستوى الدراسي
- دراسة مقارنة للمتمدرسين وغير المتمدرسين
- دراسة مشكلات داخلية كالتسرب والرسوب وقضايا التوجيه…
- علاقة التخطيط المدرسي بالخصائص الديمغرافية للمجتمع ككل .
4- اقتصاد التربية ، يهتم هذا العلم بالحاجيات المادية والمالية لتسيير الشأن التعليمي ، كما يهتم بدراسة العلاقات القائمة بين التربية السائدة والأنظمة الاقتصادية والسياسية للبلد .
5- التربية المقارنة : دراسة مختلف الأنظمة التربوية في العالم وإجراء مقارنات بينها وتحديد نوع التفاعل الممكن بين المناهج المعتمدة في مختلف البلدان
6- الإدارة المدرسية : تهتم بدراسة مختلف أشكال تسيير وتدبير المؤسسات التعليمية على الخصوص دون إغفال تدبير الشأن التربوي إداريا
7- اثنولوجيا التربية : دراسة الظاهرة التربوية في أوساط أثنية وسوسيو ثقافية مختلفة ، والاهتمام إذن بأوجه النشاط التربوي غير النظامي

ثانيا - علوم تدرس العلاقة التربوية والفعل التربوي نفسه :
1- فسيولوجيا التربية : يختص هذا العلم بدراسة الشروط الفسيولوجية التي تصاحب أي نشاط تربوي ، باعتبار أنه موقف إنساني بالدرجة الأولى ، ومن أهم موضوعاته: العلاقة بين السلامة الجسدية والتحصيل الدراسي ، أثر الإضاءة والألوان والتهوية على نجاح التحصيل الدراسي ، التوافق الحسي الحركي وعلاقته بالتعلم …..
2- سيكولوجية التربية : يهتم هذا العلم بالمقاربة السيكولوجية لمؤسسات ومناهج وبنيات النظم التربوية ،كما يهتم بالنمو النفسي للفرد وأساليب تعلمه وعلاقة كل ذلك بالعملية التعليمية التعلمية .
3- سيكوسوسيولوجية الجماعات الصغرى : إنها دراسة نفسية اجتماعية لجماعة الفصل والمدرسة . تستهدف الكشف عن دينامياتها من حيث الخصائص العامة والنوعية ودرجة وحدتها ، ونوعية أهدافها الفردية والجماعية ، وكذلك تحديد أساليب القيادة الناجعة بالوسط المدرسي .
4- علوم الاتصال : إن النشاط التربوي هو أساسا مجموعة من عمليات تفاعل يمثل الإنسان طرفها الأساسي ، وجوهر هذا التفاعل يكمن في وضع وتنظيم وتوظيف أنماط الاتصال ولذلك يهتم هذا العلم بتحسين جودة التواصل في إطار المواقف التربوية ، ويقدم نماذج لتوظيف التقنيات الحديثة في الأنشطة التعليمية .
5- علوم الديداكتيك :
تهتم بالديداكتيك العام للتدريس كعلم مهمته تحديد العلاقة بين مختلف مكونات العملية التعليمية التعلمية ، والكشف عن أبعادها ومشاكلها ، ويتم تحديد موضوعات الديداكتيك العام من خلال طرح أسئلة محورية : لماذا ندرس ؟ ( الأهداف )، من ندرس ؟ ( المتعلم ) ماذا ندرس ( المحتويات ) كيف ندرس ؟ ( المناهج والتقنيات ) ، بماذا ندرس ؟ ( الوسائط البيداغوجية) ماهي نتائج التدريس ؟ ( التقويم ).
أما الديداكتيك الخاص فهو الدراسة المنهجية لمختلف أشكال مقاربة المواد الدراسية ، انه تحديد لمنهجيات مختلف المواد .
6- علوم الطرق والمناهج والتقنيات
تهتم هذه العلوم بتحديد الأسس الفلسفية والسيكولوجية البيداغوجية لمختلف مسارات العملية التعلمية التعلمية ،سواء بالنسبة للمدرسة من حيث نوعية الأقسام والتعليم وأسلوب العمل أو من حيث نماذج التأثير المعتمد على الوسائل التعليمية المختلفة .
7- علوم التقويم : إنها مقاربة لأنماط التقويم وأهدافه وموضوعاته ، تهدف إلى إبراز دور الامتحانات والتطبيقات في تحسين مرد ودية المتعلم وإنجاح تحصيله الدراسي ، ومن أهم العلوم المرتبطة بالتقويم البيداغوجي هناك علم الامتحانات وموضوعه هو التحليل النسقي للامتحانات ودراسة أشكال تقدير أعمال المتعلمين من اجل تقديم نماذج لمناهج وتقنيات موضوعية لتقويم المتعلمين .
ثالثا – علوم التأمل والتطور :
1- فلسفة التربية : على الرغم من اعتراض البعض على إدراجها ضمن صنافة علوم التربية ،إلا أنها تقوم بدور هام داخل هذه العلوم ، فهي وحدها تمكن من الإجابة عن سؤال : لماذا التربية؟ بالإضافة إلى دور منهجها الشمولي من تقديم صورة شاملة للنظم التربوية عبر إدماج نتائج مختلف علوم التربية
2- التخطيط التربوي : يهتم بكل ما تحتاجه النظم التربوية من عمليات هندسة الممارسة التربوية ، كما يهتم بالقضايا الكبرى التي تواجهها المدرسة والمجتمع مثل ديمقراطية التعليم ، وربط التعليم بسوق الشغل ….