التخطيط التربوي الجيد بقلم:د. جميل حمداوي

تاريخ النشر : 2007-10-26

من أجل تخطيــــط تربوي جيد

الدكتور جميل حمداوي

تمهيــــد:

إذا كانت فكرة التخطيط قد ظهرت في المجتمعات القديمة كما لدى المصريين مثلا من خلال الإشارات الواردة في سورة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم، وتبلورت هذه الفكرة كذلك في كتابات الفلاسفة والمفكرين وعلماء الاجتماع ( أفلاطون، وإنجلز، وماركس، وابن خلدون، وموريس دوب....)، فإن التخطيط الحقيقي المبني على العلمية والدراسة الإحصائية التجريبية لم يظهر إلا في بدايات القرن العشرين (1920م) مع المخططات الخماسية التي كان ينهجها الاتحاد السوڤياتي، وبعد ذلك أخذت الدول الغربية تستفيد من هذه المخططات الشاملة التي بدأت توظفها في المجال الاقتصادي والإداري والتربوي. بيد أن أغلب الدول العربية لم تأخذ بسياسة المخططات والتخطيط إلا في الستينيات من القرن العشرين.

ويمكن القول إن التخطيط في الحقيقة قد رافق ظهور الإدارة وقطاع الخدمات منذ منتصف القرن التاسع عشر في أوربا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية مع انبثاق المجتمعات الرأسمالية التي عقلنت إدارتها ومؤسساتها المالية بطريقة علمية مقننة تعتمد على وضع الخطط وتنفيذها ميدانيا. إذا، ماهو التخطيط لغة واصطلاحا؟ وماهي أنواع التخطيط؟ وماهي المؤثرات التي تتحكم فيه؟ وماهو التخطيط التربوي؟ ومتى ظهر التخطيط التربوي في المغرب؟ وماهي مهمة مصلحة التخطيط التربوي في التشريعات التعليمية المغربية ؟ وماهي الأدوار التي ينبغي أن يقوم بها رئيس مصلحة التخطيط التربوي؟

1- مفهوم التخطيط:

أ‌- التخطيط لغة:

يقدم ابن منظور في" لسان العرب" مجموعة من التعاريف اللغوية لكلمة التخطيط المشتقة من فعل خط وخطط الذي يحيل على مجموعة من الدوال المعجمية كالخط الذي هو عبارة عن الطريقة المستطيلة في الشيء، والجمع خطوط. والخط: الطريق. والخط: الكتابة ونحوها مما يخط. والخط: ضرب من الكهانة. وخط الشيء يخطه خطا: كتبه بقلم أو غيره. والتخطيط: التسطير. والخطوط من بقر الوحش: التي تخط الأرض بأظلافها. والخط: خط الزاجر، وهو أن يخط بإصبعه في الرمل ويزجر. وثوب مخطط وكساء مخطط: فيه خطوط. وخط وجهه واختط: صارت فيه خطوط. واختط الغلام: أي نبت عذاؤه. والخطة كالخط كأنها اسم للطريقة. والمخط بالكسر: العود الذي يخط به الحائك الثوب. والمخطاط:عود تسوى عليه الخطوط. والخط:ضرب من البضع. والخط والخطة: الأرض تنزل من غير أن ينزلها نازل قبل ذلك. وقد خطها لنفسه خطا واختطها: وهو أن يعلم عليها علامة بالخط. والخطة: الأرض. والأرض الخطيطة: التي يمطر ماحولها ولا تمطر هي، وجمعها خطائط. وأرض خط: لم تمطر وقد مطر ماحولها. والخطة: بالضم: شبه القصة والأمر، وقيل: المقصد. والخطة: الحال والأمر والخطب. والأخط: الدقيق المحاسن، ورجل مخطط: جميل. وخطة:اسم عنز. والخط: أرض ينسب إليها الرماح الخطية. والخطي: الرمح المنسوب إلى الخط. والخطيط: قريب من الغطيط وهو صوت النائم. وحلس الخطاط: اسم رجل زاجر. ومخطط: موضع.

ويتبين لنا من خلال هذه الدلالات الاشتقاقية أن التخطيط عبارة عن خطة مرسومة ومحددة بدقة وطريقة مسطرة كتابة وخطا.

أما كلمة Planification الأجنبية، فتدل على التصميم والتخطيط، وهي مشتقة من كلمة Planifier التي تعني بدورها خطط وصمم.

ب‌- التخطيط اصطلاحا:

التخطيط هو عبارة عن مجموعة من الطرائق والتصاميم والمناهج والأساليب والتدابير التي نلتجئ إليها من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف والغايات على المستوى البعيد والمتوسط والقريب.

ولتنفيذ هذه الأهداف المسطرة الموجودة في مداخل نسق معين لابد من الاعتماد على الوسائل المادية والمالية والبشرية والمعلوماتية لأجرأة هذه الأهداف ميدانيا في سياقاتها المتاحة وظروفها الممكنة. ويمكن التأكد من نجاعة الأهداف المسطرة داخل النسق البنيوي أو الوظيفي إلا بعد الاستعانة بكل آليات التقويم والمراقبة. وإذا أصيبت العملية بالتعثر والفشل فمن الضروري الاستعانة كذلك بالفيدباك أو التغذية الراجعة.

ويمكن القول: إن التخطيط إستراتيجية وطريقة تقنية ناجحة للتحكم في المعطيات الموضوعية إما بطرقة كمية إحصائية تجريبية وإما بطريقة استقرائية وصفية استنتاجية. ومن هنا، فالتخطيط تصور نظري وإجراء تفسيري يعتمد على قراءة الأسباب الدافعة مع تبيان العلل والحيثيات التفسيرية التي تكون وراء ظاهرة معينة، كما أن التخطيط تصميم تنبئي يتحكم في الظواهر المستقبلية ويستشرفها عن طريق إعداد خطط وتدابير للإحاطة بالظاهرة أو تطويقها أو فهمها أو تفسيرها من أجل الشروع في بناء تصاميم توقعية ناجعة.

2- أنواع التخطيط:

يتخذ التخطيط أنواعا عدة، فقد يكون التخطيط محليا مقتصرا على بيئة محلية أو إقليمية من خلال رصد المعطيات الموجودة على مستوى القرية أو المدينة، أو يكون التخطيط جهويا يتكلف بدراسة الجهة كاملة، أو يكون التخطيط وطنيا يهتم بجمع كل المعطيات الإحصائية على الصعيد الوطني. كما أن هناك التخطيط الجزئي يقتصر على قطاع معين كالفلاحة أو الصناعة أو التعليم... والتخطيط الشامل الذي يجمع جميع القطاعات بطريقة وظيفية منسجمة من أجل تحقيق تنمية شاملة. ولا ننسى أيضا أن ثمة تخطيط قصير الأمد وتخطيط متوسط الأمد وتخطيط بعيد الأمد، علاوة على ذلك، فهناك التخطيط الاقتصادي والتخطيط الاجتماعي والتخطيط الثقافي والتخطيط التربوي.

كما أن هناك التخطيط البنائي الهيكلي الذي يقصد به اتخاذ قرارات تهدف إلى إحداث تغييرات عميقة بعيدة المدى، بينما التخطيط الوظيفي يقصد به إعداد الخطط وتنفيذها ضمن الهيكل الاقتصادي والاجتماعي القائم لإحداث تغيير آني أو إصلاح تدريجي أو الأخذ بمبدإ التطور البطيء.

ويمكن الحديث أيضا عن التخطيط الوصفي السانكروني الثابت في فترة معية وفي مكان محدد، وتخطيط تعاقبي يرصد الظاهرة في تطورها التاريخي.

ويمكن الحديث أيضا عن تخطيط إلزامي إجباري على نحو مانجد في الاتحاد السوڤياتي والدول الاشتراكية التابعة لها، وتخطيط توجيهي لانجد فيه إلزاما مباشرا كما هو الشأن في فرنسا.

3- العوامل المؤثرة في وضع التخطيط:

من المعروف أن التخطيط ضرورة ملحة تستلزمها المشكلات المعاصرة الذاتية والموضوعية، ولايمكن أن تحقق الدولة تنمية شاملة في جميع الميادين إلا بانتهاج أسلوب التخطيط ووضع التصاميم من أجل تحقيق الأهداف والغايات التي تنطلق منها الدولة اعتمادا على برامجها الحزبية والرؤية الإيديولوجية التي تؤمن بها سياسيا والفلسفة التي يعتقدها المجتمع.

ولابد عند وضع الخطط والتصاميم واتخاذ التدابير في أي قطاع من القطاعات من مراعاة مجموعة من العوامل التي تؤثر في عملية إعداد الخطة ، وهذه العوامل متنوعة قد تكون عوامل ديمغرافية تتعلق بالظاهرة السكانية والتفجر الدراسي مثلا، أو عوامل اقتصادية، أو عوامل اجتماعية، أو عوامل ثقافية، أو عوامل سياسية، أو عوامل تقنية، أو عوامل دينية، أو عوامل دينية. ومن ثم، فأحسن تخطيط هو الذي يجمع بين هذه الجوانب كلها من أجل تحقيق تنمية ناجحة وناجعة. ويقول في هذا الصدد الدكتور عبد الله عبد الدائم:" ذلك أن التنمية إما أن تكون عملا اقتصاديا واجتماعيا وتربويا متكاملا وإما ألا تكون. والتخطيط واحد شامل، له قطبه الاقتصادي وقطبه الاجتماعي وقطبه الثقافي. وهو ينحدر ويفقد أغراضه إذا أهمل أي قطب من هذه الأقطاب الثلاثة، ولاسيما إذا أهمل الجانب الثقافي والاجتماعي. والهدف من التنمية بالتالي ليس هدفا اقتصاديا وإنما هو هدف اقتصادي اجتماعي ثقافي، محط رحاله خلق الحضارة الجديرة بالإنسان.

ومثل هذه النظرة الشاملة الكاملة إلى التنمية وإلى دور الإنسان في خلقها وإلى دورها أخيرا في خلق الإنسان وحضارة الإنسان، هي نظرة المخطط التربوي قبل سواه، وهو المسؤول عنها في نظرنا- أكثر من أي مخطط في أي ميدان آخر- وهذا ما نعنيه حين نريد له الريادة والقيادة.".

4- التخطيـــط التربوي:

يتعلق التخطيط التربوي بمجال التربية والتعليم، ويهتم بمنظومة التدبير والتسيير الإداري التي تتفاعل مع المؤسسات التربوية وكل المصالح الإدارية التابعة لنيابة التعليم بكل وحدة ترابية إقليمية أو أكاديمية جهوية أو إدارة مركزية. ويخضع تخطيط النسق التربوي للمدخلات والمخرجات عبر مجموعة من العمليات والسيرورات التخطيطية التي تستلزم الوسائل المادية والإمكانيات المالية والبشرية والمعرفية والخبرات التقنية والحاسوبية. ويعني هذا أن التخطيط التربوي ينطلق من مجموعة من الأهداف والكفايات والغايات التي تستوجب التنفيذ والتحقيق عن طريق مجموعة من الإمكانيات المتاحة قصد تطبيقها ميدانيا والتحقق من فعاليتها عبر التقويم والمراجعة. وينبني التخطيط التربوي على معطيات إحصائية وديمغرافية وسياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية.

ويستهدف التخطيط التربوي التحكم في موارد الدولة المادية والمالية والبشرية والمؤسساتية والانفتاح على المحيط السوسيواقتصادي للمؤسسات التعليمية قصد بناء خطط ومشاريع ووضع التصاميم الآنية والمستقبلية لتحقيق حاجيات الإقليم أو العمالة، كما يعمل التخطيط التربوي على توفير البنيات والعناصر الفعالة التي تثري النسق التربوي مع اعتماد سياسة الترشيد والاقتصاد والتحكم في النفقات على مستوى التوظيف والصرف والاستيعاب والإدماج والاستدماج.

ومن ثم، يسعى التخطيط التربوي إلى " عقلنة عمليات التنمية المتعلقة بالتعليم، وذلك بالعمل على التقليل من مخاطر التبذير للموارد، والتشجيع على القيام باختبارات مستمرة لإمكانات وأهداف النظام التربوي. فكأن التخطيط التربوي يقوم بالتنبؤ في الزمان والمكان بخصوص تحقيق الأهداف التربوية التي تم تقريرها ومتابعتها، كتحقيق تعميم التمدرس في وقت محدد أو القيام بمحو الأمية في صفوف فئة عمرية محددة بحلول تاريخ معين...الخ.

إن التخطيط التربوي بشكل عام يقوم بتصور التطور الذي يلبي بشكل أفضل حاجات المجتمع في كليته، وحاجات كل مواطن بوجه خاص."

ويعني هذا أن التخطيط التربوي له بعدان إستراتيجيان: بعد سانكروني سكوني يقوم على وصف ظاهرة تربوية معينة في مكان وزمان معينين من أجل فهمها وتفسيرهما من خلال ذكر الأسباب والعلل والحيثيات السياقية ورسم خطة إحصائية استقرائية مرحلية لفهم معطيات الظاهرة في حينها سواء أكانت ظاهرة بشرية أم ظاهرة مؤسساتية أم حالة اجتماعية أم ظواهر أخرى لها علاقة بالنسق التربوي والمنظومة التعليمية. والبعد الثاني هو دراسة الظواهر التربوية والتعليمية في إطار تطور دياكروني عبر رسم جداول إحصائية ترصد تطور ظاهرة ما وتعاقبها عبر مدرجات هندسية ورقمية وجداول إحصائية وسيطية أو منوالية تحدد الظاهرة المدروسة من خلال التركيز على ميزتها الإحصائية وتكرارها وترددها وتواترها وانحرافها المعياري، أي لابد للتخطيط من تشغيل السلسلة الإحصائية والرسوم الببيانية لفهم الظواهر الديمغرافية وعدد السكان وعدد الأميين وعدد المتمدرسين الرسميين وغير الرسميين ورسم إحصائية التعليم العمومي والتعليم الخصوصي.

وعليه، يمكن إجمال أهداف التخطيط التربوي في عمليات العقلنة والاقتصاد والتحكم في الموارد المالية والمادية والبشرية، ورسم الخطط الآنية والمستقبلية، واختبار الأهداف والفرضيات المطروحة عند رسم كل خطة أو تصميم مشروع تربوي في مكان وزمان معينين.

4- ظهور التخطيط التربوي في المغرب:

من المعروف أن المغرب اختار أسلوب التخطيط في مجال الاقتصاد والإدارة والتربية منذ بداية الستينيات على غرار معظم الدول العربية (مصر، وتونس، والسودان، ليبيا، والأردن، والمملكة العربية السعودية...)، أي بعد الاستقلال مباشرة متأثرا في ذلك بالإدارة الفرنسية الاستعمارية واقتداء بتجارب الدول الاشتراكية في مجال التخطيط والتدبير، ولاسيما الاتحاد السوڤياتي الذي برهن عن فعالية اقتصادية وقوة كبرى في مجال التنمية الشاملة بفضل مخططاته الخماسية. فكان من الطبيعي أن يجاري المغرب الدول القوية في طرائق تدبيرها وتسيير شؤون إدارتها ودواليب اقتصادها، لذا أخذ المغرب يتمثل التخطيط والإحصاء في مجال تدبير الشأن العام والتخطيط الاقتصادي والاجتماعي والتربوي.

وعليه، فقد أحدث المغرب منذ 1961م " مصلحة التخطيط المدرسي والخريطة المدرسية" Service de la planification et de la carte scolaire ، وقد جاءت مهمات هذه المصلحة متجاوبة ومنسجمة مع توصية 54" المتخذة في المؤتمر الدولي الخامس والعشرين للتربية في جنيف عام 1960م ، ومع مقررات مؤتمر الدول الإفريقية من أجل تنمية التربية في أفريقيا( مؤتمر أديس أبابا 1961م)."

هذا ،وتتكون هذه المصلحة المركزية في تلك الفترة ومازالت إلى يومنا هذا مع تغيير نسبي في المسميات من المكاتب التالية:

أ- مكتب الإحصاء: ومهمته جمع المعلومات الإحصائية المدرسية والتربوية وتنسيقها ودراستها وتفريغها في استنتاجات ومعطيات عملية؛

ب- مكتب الخريطة المدرسية: ومهمته دراسة مواقع البنية المدرسية وتحديد المشروعات العاجلة والمستعجلة في هدا المجال لمواجهة الحاجيات والطلبات الناتجة عن التفجر المدرسي أو الانفجار الدراسي وتنامي الظاهرة الديمغرافية وتزايد الطلب عن التعلم؛

ج- مكتب الوثائق والتوجيه: ويسمى كذلك بمكتب الإعلام والتوجيه والمنح، ومهمته نشر المعلومات المهنية والجامعية ودراسات مشكلات الانتقاء والاختيار والاصطفاء والتوجيه و الاهتمام بالإعلام المدرسي والتربوي، والتنسيق بين التعليمين : الجامعي والثانوي التأهيلي؛

د- مكتب البعثات( مكتب المنح): ومهمته توزيع المعونات المالية والمنح المدرسية على التلاميذ والطلاب المتفوقين أو الضعفاء لاستكمال دراساتهم أو توجيههم نحو الدراسات الملائمة لهم.

وإلى جانب هذه المصلحة المركزية ، توجد اليوم فروع لها على صعيد الأكاديميات الجهوية والنيابات التعليمية وتسمى مصلحة التخطيط، ومن مكاتبها على المستوى الإقليمي: مكتب رئاسة المصلحة، ومكتب الإحصاء، ومكتب الخريطة المدرسية المتعلقة بالتعليم الأساسي و التعليم الثانوي التـأهيلي، ومكتب الإعلام والتوجيه والمنح.

وإذا عدنا إلى الفترات السابقة من مسار تاريخ التخطيط التربوي في المغرب، فإن المغرب كان يرسل الموفدين إلى " المركز الإقليمي لتدريب كبار موظفي التعليم في بيروت، وبالإضافة إلى الدورة القصيرة التي عقدها المركز الإقليمي المذكور في الرباط عام 1964م، تقوم وزارة التربية بإعداد الإخصائيين اللازمين لمصلحة التخطيط المركزية ولمكاتب التخطيط في الولايات، عن طريق مركز تدريب خاص أنشأته لهذه الغاية في الرباط منذ عام 1961، يدعى " مركز إعداد الخبراء في التخطيط التربوي والتوجيه التربوي"،( ويسمى اليوم مركز التوجيه والتخطيط التربوي ، يوجد بالرباط)، ومدة الدراسة فيه سنتان تفصل بينهما سنة تدريب في مكتب من مكاتب التخطيط.

أما الصلة بين جهاز التخطيط التربوي هذا وبين جهاز التخطيط الاقتصادي فغير وثيقة بعد، وكل ما في الأمر أن رئيس مصلحة التخطيط التربوي يدعى إلى الاشتراك في أبحاث" لجنة التعليم والتربية" التي هي إحدى اللجان الاستشارية الهامة التي يستعين بها جهاز التخطيط الاقتصادي، وأن تبادل المعلومات الإحصائية يجري دون شك بين مصلحة التخطيط في وزارة التربية و بين قسم التخطيط في وزارة الاقتصاد القومي."

وقد عرفت مصلحة التخطيط التربوي سواء على الصعيد المركزي أو الجهوي أو المحلي عدة تطورات مست هذه المصلحة على مستوى الشكل أو المحتوى. وبالتالي، خضعت مكاتبها الإدارية لتغييرات كثيرة سواء على مستوى التسمية والاصطلاح أم على مستوى الاستقلالية والتبعية والإدماج في مصالح أخرى مجاورة داخل النسق الإداري التربوي، كما وقع لمكتب الإعلام والتوجيه والمنح الذي كان تابعا لمصلحة التخطيط تارة، ولمصلحة الشؤون التربوية وتنشيط المؤسسات التعليمية تارة أخرى.


5- مهام مصلحة التخطيط التربوي:

تقوم مصلحة التخطيط حسب التشريع التربوي والإداري بمجموعة من الوظائف والمهام الرئيسية كالمساهمة في إعداد المخطط الإقليمي لتنمية التعليم،وإنجاز الإحصاءات المرتبطة بقطاع التعليم واستثمارها، وجمع المعطيات الديمغرافية والدراسات الخاصة بالعمالة أو الإقليم، ووضع الخريطة المدرسية مع تحديد توقعات الدخول المدرسي بتنسيق مع المصالح النيابية والمركزية المعنية. ويعني هذا أن المصلحة تضع المخططات والخرائط المدرسية.

أ‌- إعداد المخطط الإقليمي لتنمية التعليم:

تهدف مصلحة التخطيط إلى إعداد مخطط إقليمي لتنمية التعليم من خلال الإجابة عن الحاجيات والطلبات المتزايدة على التعلم بعد انتشار الوعي بأهمية التعليم والتربية في إيجاد العمل وتأمين المستقبل والرقي بالإنسان ذهنيا ووجدانيا وأخلاقيا، وانتشار الظاهرة السكانية وارتفاع كثافتها، وما يترتب عن ذلك من تفجر دراسي. ومن أجل الحد من هذه الظاهرة السكانية وتطويقها بسرعة وإيجاد المدارس لهؤلاء الراغبين في التمدرس لابد من إعداد مخطط شامل على الصعيد الإقليمي لتوفير البنيات الجاهزة لتدريس هذه الأعداد الهائلة من التلاميذ ومحو أمية الكبار وتحفيز تلاميذ البادية والمدن على طلب العلم ومحاربة الجهل لتنمية الاقتصاد الوطني.

وبالتالي، لن تكون الحلول ناجعة إلا إذا التجأنا إلى مخطط إقليمي يأخذ بعين الاعتبار الموارد المالية والمادية والبشرية ،وينطلق من الحيثيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية من أجل تحقيق توازن بين العرض والطلب. ومن ثم، فالتخطيط الجيد هو الذي يحقق التوازن بين النفقات والاستهلاك، وبين الاستثمار في رأس المال والمردودية الإنتاجية، ويوفق بين ماهو كمي وما هو كيفي. علما أن وزارة التربية الوطنية المغربية بدأت تحمل شعار الجودة على الصعيد البيداغوجي والديداكتيكي وعلى الصعيد الإداري. ومن هنا، فلابد للتخطيط كيفما كان تربويا أو إقليميا أن يراعي الجودة الكمية العددية والجودة الكيفية في الشكل والمحتوى.

ولا يمكن أن يكون المخطط الإقليمي فعالا إلا إذا كان مرتكزا على معطيات إحصائية دقيقة ، يجمع بين المعلومات السكانية والمعلومات المستفيضة عن الموارد المالية والمادية والبشرية ، لينتقل بعد ذلك إلى تحديد الأهداف ووضع الخطط الإجرائية المستعجلة ، مع التركيز على الأولويات لإنجاح الخطة عمليا بعد توفير الموارد والوسائل الضرورية والكفيلة لتطبيق هذه الخطط من أجل الإجابة عن المشاكل المستعصية المطروحة والإجابة عن الحاجيات الاستلزامية.

ويشرف على هذا النوع من المخططات خبراء فنيون تابعون للإدارة التربوية أو لإدارة وزارة الداخلية . ويعني هذا أن السلطة المركزية والمجالس الجهوية والعمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية تساهم كلها في إعداد المخطط الإقليمي لحل مشاكل التعليم وتحقيق التنمية المحلية وتمنية الوطن على جميع المستويات.

ب‌- إنجاز الإحصاءات المرتبطة بقطاع التعليم :

من المعلوم جيدا أن التخطيط التربوي لايمكن أن يحقق نتائجه المثمرة إلا إذا كان مبنيا على الإحصاء الرياضي العلمي والبيانات الهندسية الدقيقة. ولانلتجىء إلى الإحصاء التربوي إلا إذا انطلقنا من معطيات ديمغرافية تتعلق بساكنة الإقليم بصفة خاصة وساكنة الوطن بصفة عامة وعرفنا الكثافة السكانية بدقة ؛ لأنها هي التي تستلزم التدخل العاجل عن طريق إعداد الخطط من أجل تلبية رغباتها وحاجياتها عن طريق توفير البنيات المادية والمالية والبشرية والطاقات الإدارية والمساعدة.

ويستند الإحصاء التربوي إلى مجموعة من العمليات القائمة على تجميع المعطيات وتنظيمها وجدولتها وتحليلها وإفراغ معطياتها في أعداد ونسب مائوية لمعرفة الاستنتاجات النهائية التي يمكن تطبيقها واستثمارها عمليا، ومن هنا، فالإحصاء قد يكون وصفيا أو تفسيريا استنتاجيا.

و بعد عملية جمع المعطيات الديمغرافية المتعلقة بالإقليم والمدينة وقراها وحواضرها والتعرف على المكونات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ننتقل إلى إعداد إحصاءات خاصة بالبنيات المدرسية والمؤسسات التربوية من خلال ملء مطبوعات إحصائية تتعلق بالتعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي بإحصاء عدد المؤسسات الدراسية في الإقليم، بالتركيز على الأقسام والفصول الدراسية و السكنيات والمراحيض والمطاعم، مع ذكر مدى ارتباط هذه المؤسسات بشبكات الكهرباء والماء والواد الحار ووسائل الاتصال الحديثة من تيليفون وأنترنت. ولابد أن يبين الإحصاء طبيعة هذه المؤسسات من حيث البناء : هل هي مصنوعة من الإسمنت أم من الطين أم هي مفبركة ؟ ويحاول الإحصاء كذلك معرفة هل الحجرات الدراسية معارة أم مستعارة أم مستعملة أم متوفرة أم مغلقة صالحة وغير صالحة؟ ومعرفة السكنيات: هل هي شاغرة أم مستعملة؟!

ومن اللازم كذلك أن يتناول الإحصاء التربوي البنية المادية والتربوية للمؤسسة الدراسية في موسم دراسي معين من خلال تعداد التلاميذ الجدد ذكورا وإناثا ، والمكررين والمثلثين ذكورا وإناثا، والمستفيدين من الإطعام ذكورا وإناثا، وهيئة التدريس سواء أكان أعضاؤها معربين أم مزدوجين ؟ وتعداد الأساتذة حسب المواد والتخصصات والمستويات الدراسية.

ويسعى الإحصاء المدرسي السنوي الذي تعده المصلحة مابين أكتوبر ونونبر على تكوين ملف إحصائي عملي و استشاري جاهز ينصب على ثلاث وحدات أساسية تتعلق بالمؤسسات التربوية. وتتعلق هذه الوحدات الإحصائية باستجماع معلومات دقيقة حول المؤسسة الدراسية ، وجمع معطيات حول تمدرس التلاميذ والطلبة والمتدربين ، ومعطيات حول موظفي المؤسسات.

ج‌- استثمار الإحصاءات المرتبطة بقطاع التعليم:

إن التخطيط هو عصب الإدارة التربوية وقلبها النابض المتحرك ودينامو التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فبدون تخطيط محكم، لن تتحقق التنمية الحقيقية والإقلاع الاقتصادي الناجع.

وعليه، فبعد الانتهاء من عملية الإحصاء وحملاتها الموسمية لابد من تفريغ المعطيات الإحصائية في جداول ورسوم بيانية وصفية وتفسيرية من أجل تقديمها للمصالح المعنية بالتخطيط على المستوى المحلي والجهوي (الأكاديمي) والمركزي، و لكل المستشارين والباحثين التربويين، وتقدم كذلك لرجال السلطة الذين يريدون توظيفيها في تقاريرهم المخابراتية ومعرفة طبيعة المجتمع ووتيرة الوعي ومستوى التثقيف.

ونفهم من كل هذا، أنه لابد من استثمار الإحصاء نظريا وعمليا لمعرفة عدد التلاميذ في الماضي والحاضر واستشراف التوقعات المستقبلية للتفجر الدراسي، ويمكن استثمار الإحصاء في توفير الطاقات البشرية والمدرسين ورجال الإدارة والأعوان وبناء المدارس وإعداد الموارد المالية والمادية والبشرية من أجل تحقيق التوازن بين الطلب والعرض وتحقيق الجودة الكمية والكيفية بطريقة متوازنة، ومعالجة المشاكل المطروحة بيداغوجيا وديداكتيكيا وإداريا وماديا، والحد من الصعوبات التي تفرضها الظاهرة السكانية وقلة الإمكانيات المالية.

د‌- جمع المعطيات الديمغرافية والدراسات الخاصة بالعمالة أو الإقليم:

من المعروف أن التخطيط التربوي ينبني على مجموعة من العمليات الأساسية يمكن حصرها في أربع مراحل هي: مرحلة إعداد مشروع الخطة، ومرحلة الاستشارات وتبني الخطة، ومرحلة تنفيذ الخطة وتصحيحها، ومرحلة تقويم الخطة ومتابعتها. وتستلزم مرحلة إعداد الخطة بدورها مراحل فرعية ثلاث ، وهي: مرحلة التنظيم ومرحلة الدراسة ومرحلة التنسيق. " أما التنظيم فنعني به تنظيم العمل وطريقته وتوزيع المسؤوليات والمهمات على القائمين به. وأما الدراسة فنعني بها دراسة الأوضاع القائمة في البلد، الأوضاع السكانية والاقتصادية والتربوية، بغية الاستناد إليها في وضع الخطة. وأما التنسيق فهو جملة التدابير التي من شأنها أن تجعل الجهود المبذولة جميعها منصبة على تحقيق بعض الأهداف وأن تجعل الوسائل المادية جميعها مستخدمة للحصول على أكبر مردود ممكن. وأهم ما في هذا التنسيق تنسيق العمل بين القطاعات المتصلة بالتعليم وبين القطاعات التي تعنى بالتخطيط العام."

وما ينبغي التركيز عليه في هذه المراحل مرحلة الدراسة التي تهتم بدراسة أوضاع الإقليم من الناحية الاقتصادية ومن الناحية الاجتماعية ومن الناحية السكانية لمعرفة مجموع سكان الإقليم على مستوى الدوائر والأرياف والحواضر، ومعرفة عدد الذكور والإناث، والوظائف الاجتماعية التي يمارسها السكان، والمناطق الأكثر كثافة من المناطق الأقل كثافة، وتحديد نوع القطاعات الاقتصادية التي يمارسها سكان الإقليم( زراعة، صناعة، خدمات)، وتبيان وتيرة التطور الديمغرافي، ومستقبل ذلك التطور، وما يطرحه الانفجار السكاني من مشاكل آنية ومستقبلية. ويعني هذا أن التخطيط التربوي لابد أن يعود إلى المعطيات الديمغرافية المتوفرة لدى السلطة الإقليمية من أجل استثمارها في المخططات التربوية والتعليمية عن طريق معرفة المعلومات السكانية المتصلة" بالهرم السكاني العام وبمعدل زيادة السكان وبالتنبؤ بعدد السكان خلال مرحلة الخطة وبتوزع السكان على فئات العمر وعلى الجنسين وعلى مناطق البلد المختلفة، وبعدد السكان العاملين وتوزعهم على قطاعات النشاط الاقتصادية المختلفة ، وبعدد السكان العاملين وتوزعهم على قطاعات النشاط الاقتصادية المختلفة والمهن المختلفة الخ...".

ومن هنا نستنتج بأن المعطيات الديمغرافية والخرائط السكانية التي تتوفر على الصعيد الإقليمي مهمة وضرورية لوضع الخطط التربوية المتعلقة بالشأن التعليمي قصد التحكم في الانفجار المدرسي ومعالجة المشاكل التي تستوجبها الظاهرة السكانية و تطرحها أفواج المتمدرسين التي تزداد من سنة إلى أخرى.

هــ - وضع الخريطة المدرسية:

يمكن تعريف الخريطة المدرسية scolaire Carte بأنها عبارة عن جرد وصفي للمؤسسات التربوية التعليمية الموجودة في عمالة أو إقليم أو ولاية ما أو الموجودة على الصعيد الجهوي والأكاديمي أو المثبتة على الصعيد الوطني من خلال تحديد رقمها وموقعها الجغرافي ومواصفاتها التعريفية والرقمية وإبراز طاقمها الإداري والبشري وتبيان إمكانياتها المادية والمالية. ويمكن أن تشمل الخريطة المدرسية بنية مؤسسة تربوية من جميع جوانبها وموكوناتها البنيوية والنسقية، ويمكن أن تكون تلك الخريطة ذلك التصور الكمي المقنن بالإحصائيات والأرقام والأشكال الهندسية التي تحدد عدد التلاميذ والمدرسين وأطر الإدارة والتسيير والإشراف وعدد المؤسسات التربوية التعليمية وإعداد مشاريع تصورية حول البنيات المستقبلية لإدماج تلاميذ المستقبل داخل الفضاءات التربوية. وهنا، نرى ترابطا كبيرا بين مصلحة التخطيط التربوي ومصلحة التجهيز والبنيات والمصلحة المتعلقة بالتدبير الإداري والمالي ومصلحة الشؤون التربوية ومصلحة الموارد البشرية. فهذه المصالح تتداخل فيما بينها وتتكامل وتتآزر بطريقة وظيفية وبنيوية.

هذا، ويعرف كورماري Cormary الخريطة المدرسية من جانبين:" جانب وصفي؛ ويقصد بها الجرد الجغرافي للمؤسسات المدرسية الموجودة في فترة زمانية محددة، وتحمل كل واحدة رقما معينا على الصعيد الوطني. أما الجانب الثاني الذي يمكن أن نعرف من خلاله الخريطة المدرسية، فهو الجانب التوقعي، ويقصد به توزيع المؤسسات المدرسية استنادا إلى الدراسات الديمغرافية؛ وتبعا لخريطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية." .

ومن هنا، يتبين لنا أن الخريطة المدرسية ذات بعد وصفي يتمثل في جرد المؤسسات المدرسية الموجودة في نطاق جغرافي معين مع توصيفها كيفا وكما، والبعد الثاني يتجلى في الاستشراف التوقعي الذي يهدف إلى تحضير مؤسسات تربوية في المستقبل القريب أو المتوسط أو البعيد لتوزيعها حسب جهات وأمكنة معينة انطلاقا من معطيات ديمغرافية واجتماعية واقتصادية.

واحتكاما إلى الخريطة المدرسية والرجوع إلى معاييرها، توجه مصلحة التخطيط التربوي توجيهات إدارية وتعليمات تخطيطية للمسؤولين عن المؤسسات التربوية لتوزيع التلاميذ والأساتذة حسب عدد الأقسام والإيقاعات الزمنية المفروضة تربويا وديداكتيكيا. كما تتحكم هذه الخريطة في توزيع المشرفين والأعوان الإداريين والمعيدين ورسم السياسة المستقبلية في مجال التعليم والتجهيز والتسيير والتدبير الإداري.

أما هلاك Hallak " فيرى أنه من الصعب إعطاء تعريف مقنع في سطور معينة لمفهوم الخريطة المدرسية. وهي في نظره تشكل جزءا مندمجا في سن التمدرس وكذلك تنمية التعليم الذي يتجاوز المرحلة الإجبارية، وذلك تبعا للموارد المتاحة والحاجات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد".

والمقصود من قول هلاك أن الخريطة المدرسية هي التي تتحكم في التمدرس و العمل على استمرار التلميذ في دراسته حتى نهاية المرحلة الإجبارية، وتتبعه إلى مراحل أخرى حتى نهاية مستوى التعليم العالي والجامعي وكل ذلك حسب الإمكانيات والموارد المتاحة اجتماعيا واقتصاديا. كما تتحكم هذه الخريطة المدرسية في جودة التعليم من الناحية الكمية والكيفية من خلال رسم مكونات النسق التربوي وتحييد عناصره وبنياته المتفاعلة سلبا أم إيجابا. وهذه الخريطة المدرسية هي التي تسطر برامج القضاء على محو الأمية وتنظيم التعليم النظامي وغير النظامي، كما يهدف إلى تحقيق تكافؤ الفرص وتنمية فعالية الأنظمة التربوية بتحسين العلاقة بين الكلفة والمردودية، والعمل على إعادة إصلاح البنيات والبرامج والمناهج.

ويمكن القول بأن الخريطة المدرسية أصبحت اليوم بمثابة مؤشر تربوي وقاعدة المعطيات Base de données، وهذه القاعدة عبارة عن" تكوين مركز تجمع فيه المعلومات وتحفظ بشك مصنف ومرتب ويمكن الرجوع إليها عند الحاجة، والاستفادة منها بأسرع وقت ممكن. وقاعدة المعلومات تتجمع فيها المعلومات وتحفظ بشكل مصنف ومرتب."

و‌- توقعات الدخول المدرسي:

يتكئ التخطيط التربوي على وصف الظواهر التربوية البشرية والإدارية والمادية والمالية بواسطة إحصاءات نظرية وتجريبية لينتقل بعد ذلك إلى تفسير المعطيات الإحصائية واستشراف المستقبل اعتمادا على التنبؤ واستباق المعطيات المستقبلية ارتكازا على ما يتوفر عليه المخططون من دراسات وأبحاث وجداول إحصائيات ودلائل رقمية للمؤسسات التربوية والمعطيات البشرية .

ويعني هذا أن الخطط التربوية لابد أن تسترشد بتقنيات العلوم المستقبلية لمعرفة تطورات البنية السكانية والبنية المدرسية والبنيات المادية والتربوية من مدرسين وأطر الإشراف والإدارة والمساعدين الأعوان. وهذا التنبؤ قد يتخذ طابع تنبؤ الأحوال الجوية التي تخبرنا بأحوال الطقس في يوم أو في أسبوع أو في شهر كامل . ويعني هذا أن التنبؤ هو استشراف ما سيحدث في المستقبل دون تدخل في هذا المستقبل الذي يخضع لجبريات وضرورات لا يستطيع الإنسان أن يتحكم فيه استشرافا واستباقا وتغييره ليتخذ وجهة أخرى. ومن هنا ، فالتخطيط التنبؤي مهم في عملية التخطيط؛ لكونه يمد المسؤولين بمعلومات مهمة عن وضعية التربية والتعليم في الحاضر والمستقبل، وما يستلزم ذلك التنبؤ من توفير من إمكانيات مادية ومالية وبشرية لمواجهة الحاجيات والطلبات المتزايدة على التعليم . ومن ثم، فالتخطيط معرفة فتنبؤ ثم قدرة ، أي إن التخطيط هو معرفة شاملة بالظواهر ثم استشراف للمستقبل وإعداد للإمكانيات والقدرات لتطويق الظواهر التي تثير المشاكل والصعوبات.

وعلى العموم، فهذا التنبؤ" ليس مقصودا لمجرد التنبؤ أو التوجيه العام، بل ليمكننا من تغيير مجرى الحوادث وتسييرها تسييرا ملائما للأهداف التي نرجوها، فإن كنا نرجو تعميم التعليم الإلزامي مثلا خلال عشر سنوات في ( الإقليم)، لم يكتف أن نتنبأ بما ستكون عليه أعداد الطلاب في التعليم الإلزامي خلال السنوات العشر المقبلة، بل لابد أن نوجه الأمور بحيث تستطيع هذه الأعداد فعلا أن تستوعب بعد عشر سنوات جميع من هم في سن التعليم الإلزامي. ومن أجل ذلك لابد من تحديد إرادي لعدد المدارس اللازمة وعدد الصفوف وعدد المعلمين والنفقات التعليمية اللازمة لبلوغ هذا الهدف. ومثل هذا يقال في أي هدف من أهداف التخطيط، فهو لا يبلغ مستقره إلا إذا تدخلنا بشكل من الأشكال في مجرى الحوادث بحيث نشكلها تشكيلا جديدا يؤدي إلى الغاية المرجوة. غير أن تدخلنا هذا تدخل علمي موضوعي، بمعنى أنه يستند إلى معرفة بالحوادث وبقوانينها، وإلى تنبؤات بمجراها وبما ستثير إليه. وجل ما في الأمر أن المعرفة والتنبؤ ههنا لابد أن يتلوهما تشكيل جديد للظروف وللأحوال بحيث تستطيع هذه الظروف الجديدة أن تبلغنا الهدف المنشود".

وعلى أي، فالتنبؤ وظيفة أساسية للتخطيط التربوي من أجل أن نعرف مستقبلنا بشكل دقيق وعلمي كي نعد الشباب المتعلم إعدادا حسنا لغد أفضل وزاهر من خلال توفير جميع المستلزمات التي يستوجبها المستقبل الدراسي والتربوي والديداكتيكي.

6- أدوار رئيس مصلحة التخطيط ومهماته:

يعتبر رئيس المصلحة هو المشرف على مكاتب التخطيط التربوي، فهو قائد المصلحة تسييرا وتدبيرا، ومنشط الإدارة الإحصائية تفعيلا وتقريرا، وهو الذي ينوب عن المصلحة إقليميا وجهويا ومركزيا. ولرئيس المصلحة شروط وأدوار نوضحها على النحو التالي:

أ‌- مؤهلات رئيس التخطيط التربوي:

يشترط في اختيار رئيس مصلحة التخطيط التربوي أن يكون حاصلا على الشواهد العليا العلمية ومتخرجا من عدة مراكز تربوية مهنية سواء تعلقت بمجال التخطيط أو بمجال التدريس أو بمجال التكوين الإداري. أضف إلى ذلك أن يكون متعدد الاختصاصات وألا يكون تقنيا أو إحصائيا فقط يجهل ما يقع في الساحة التربوية والإدارية ولا يعرف شيئا عن المستجدات البيداغوجية والديداكتيكية، فلابد له من اطلاع كبير على كل المعارف الأدبية والفنية والعلمية والإدارية والتقنية. كما ينبغي أن يكون مبدعا وديبلوماسيا في معاملاته الإدارية والسلوكية، ذاعلاقات اجتماعية كثيرة ستنفعه في خلق شراكات وتمتين التواصل والعلاقات بين كل الأطراف الفاعلة سواء من قريب أو من بعيد خاصة مع رجال السلطة وفعاليات المجتمع المدني والسياسي وأعضاء المجالس الإقليمية والحضرية والقروية وأعضاء المجلس الجهوي والمركزي.

و يستحسن أن يلم رئيس المصلحة بالاقتصاد وعلم الاجتماع والإحصاء والرياضيات والعلوم والفيزياء وعلم النفس والفلسفة وعلوم السياسة والقانون العام والخاص وأن ينفتح على علوم الشريعة الإسلامية، وأن تكون له خبرة بالمجال التربوي تأليفا وتنشيطا، بله عن استيعابه لعلم الديمغرافيا واللغات والهندسة والجيولوجيا. المهم أن يكون شخصية موسوعية، وألا يكون شخصية فنية تقنية متخصصة فقط في الإحصاء والتخطيط ، فالإحصاء ليس كل شيء في مجال التربية ، فلابد من الانفتاح على جميع المعارف والتخصصات ليكون مقنعا للآخرين، بل نطالبه بأن يكون ملما بعلم الإيتيكيت وفن الإدارة والاستقبال. زد على ذلك، أن يلم بكل الدراسات مهما كانت طبيعتها ، وأن يكون على معرفة تامة بأحوال" البلد السكانية وأوضاع الطاقة العاملة والأوضاع الاقتصادية والتربوية والاجتماعية. وإذا كانت الفلسفة يوما من الأيام- في عرف فلاسفة يونان- علم العلوم، فمن غير الغلو أن نقول اليوم: إن التخطيط التربوي غدا أشبه بفلسفة أرسطو وأفلاطون. والعلم المحيط الذي يطلب من المخطط التربوي اليوم يكاد لايطلب من أي باحث آخر. إن عليه أن يمضي بعيدا في معرفة أحوال بلده السكانية والاقتصادية والاجتماعية، وعليه أن يعرف دقائق نظام التربية السائدة عنده و دقائق نظم التربية في العالم، وعليه أن يستهدي فن الإحصاء، وأن يكون في الوقت نفسه ذا حظ موفور في فلسفة التربية ومذاهبها ومبادئها وطرائقها."

ب‌- علاقات رئيس مصلحة التخطيط:

يفترض أن يكون رئيس مصلحة التخطيط ديمقراطيا في طريقة تعامله مع الموظفين الذين يشتغلون معه داخل المصلحة، وعليه أن يجعل العمل هو سيدهم وهو الرئيس الحقيقي ، وينبغي أن يشتغل في فريق تربوي أخوي، كل واحد يعرف مهمته والاختصاص الذي سيقوم به والدور المنوط به.

و من المستهجن استعمال الشطط في السلطة واستخدام أسلوب الانتقام والتشفي من العاملين داخل المصلحة. ويستحب كذلك من رئيس مصلحة التخطيط أن يكون ملما بالإتيكيت ، يحسن استقبال الزوار متواضعا مع الجميع ، يحسن كيفية تسيير إدارته عن طريق التأرجح بين الصرامة واللين.

ولابد أن تكون علاقته مع رؤسائه المحليين والجهويين والمركزيين مبنية على الاحترام المتبادل والاستشارة الدائمة ، وأن يتصل بالمسؤولين عن التخطيط سواء في النيابة الإقليمية أم على صعيد الأكاديمية أم على الصعيد المركزي. كما عليه أن يتصل بمختلف المنظمات والهيئات التي تقوم بدور هام في التنمية كالاتصال بفعاليات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والمجالس الإقليمية والحضرية والقروية، وأن يحقق التواصل التام مع سائر المعنيين بالتربية والثقافة والإدارة. ومن المستحسن كذلك أن يشارك زملاءه من رؤساء المصالح في حل المشاكل المتعلقة بالتربية وشؤون التعليم ، وأن يعمل معهم في فريق منسجم لإيجاد الحلول المناسبة لتطويق الصعوبات التربوية والظواهر التعليمية المستعصية.

ج- أدوار رئيس المصلحة ومهماتها:

لرئيس مصلحة التخطيط التربوي مجموعة من الأدوار والمهمات التي تساهم في تحقيق التنمية الإدارية أولا، فالتربوية ثانيا، ثم الاقتصادية ثالثا.

من أهم هذه الأدوار أن رئيس مصلحة التخطيط مسؤول مباشر عن مكتب الإحصاء والخريطة المدرسية ومكتب التوجيه والإعلام والمنح. فهو الذي يشرف على مصلحة التخطيط إداريا وهو المسؤول عنها تنشيطا وتقصيرا، فهو الذي يمثل هذه المصلحة على مستوى النيابة وعلى مستوى الأكاديمية وعلى الصعيد المركزي.

هذا، ويسهر رئيس المصلحة على الحملة الإحصائية كل موسم دراسي بين شهري أكتوبر ونوفمبر، يجري إحصاءات للبنيات المدرسية والتربوية والمادية اعتمادا على إحصاءات دقيقة تعتمد على ملء مطبوعات إحصائية وصفية من قبل المديرين المسؤولين عن المؤسسات المدرسية، ومن قبل الأساتذة ورجال الإدارة والأعوان من أجل توصيف المعطيات الإحصائية واستثمار معلوماتها قصد الاستفادة منها. وبعد ذلك ، يحضر الخريطة المدرسية بعد الانتهاء من إعداد مطبوعات إحصائية من خلال معرفة عدد الحجرات والفصول والأقسام وحصر الموارد البشرية ، وتحديد ما ينبغي بناؤه من بنايات مدرسية عن طريق التنسيق مع الأكاديمية والوزارة الوصية. كما يشرف رئيس المصلحة على عمليات التوجيه والإعلام وتقديم المنح للمستحقين من التلاميذ والطلبة ، والتحكم في توجيه الناجحين حسب التخصصات الأدبية والعلمية والتقنية وذلك باحترام نسبة 40%. كما يتتبع عملية الدخول المدرسي والتعرف على التلاميذ الجدد والمكررين والمثلثين ومعرفة مجموع المتمدرسين العموميين والخصوصيين وتبيان نسبة الإناث والذكور والبحث عن طرائق توزيع التلاميذ على الأقسام ونسبة الفصل وحدود الاكتظاظ ومعرفة ما يتوفر عليه الإقليم من أقسام وحجرات ومطاعم وفصول وعدد المدارس والإعداديات والثانويات.

ومن مهامه الأساسية كذلك تمثيل المصلحة أثناء الاجتماعات الدورية التي تعقدها الجماعات المحلية الحضرية والقروية والمجلس الإقليمي ، والخروج من المكتب إلى الميدان لمعاينة القطع الأرضية التي ستبنى عليها المدارس ، ومعرفة طبيعة الكثافة السكانية وطبيعة العمران البشري والوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة التي ستنتقى فيها القطعة الأرضية التي ستبنى عليها المؤسسة التربوية.

وعلى أي، يشرف رئيس المصلحة على جميع العمليات التي تقام داخل المصلحة أو ينبغي أن تنجزها المصلحة. ولابد أن يسهر الرئيس أيضا على تحقيق الجودة الإدارية والإحصائية كما وكيفا، وأن ينسق مع السيد النائب الإقليمي لوزارة التربية الوطنية لإيجاد الحلول للمشاكل المستعصية والمطروحة على المصلحة لحلها أو يستشير في ذلك المسؤولين عن التخطيط على مستوى الأكاديمية.

ومن الأدوار الأخرى، التي ينبغي أن يقوم بها رئيس المصلحة هو توفير الشبكة الرقمية واقتناء آليات الإحصاء الجديدة وآلات الحساب والطابعات المتطورة من أجل تسهيل عملية الإحصاء وتوفير المطبوعات.

وعلى رئيس المصلحة أن يجد الحلول للهدر المدرسي والتعثر والتكرار وظاهرة الرسوب من خلال التفكير في الحلول الناجعة لتحقيق تنمية شاملة وإرساء توازن مطلوب لإرشاد النفقات،والاشتغال بأقل الإمكانيات من أجل الإحاطة بالكم الهائل من المتمدرسين.

ويرجى أن يكون رئيس المصلحة مخططا مبدعا ينطلق من البيداغوجيا الإبداعية للمساهمة في إيجاد الحلول المستعجلة والكفيلة بإخراج النظام التربوي من آفاته وسلبياته الكمية التي تؤثر على جودته. ويستحسن أن يقدم رئيس المصلحة كل مرة الجديد في التربية لموظفي المصلحة عن طريق الانفتاح على الدراسات التخطيطية في الغرب عبر شبكات الإنترنت واستثمارها وإفادة الذين يشتغلون معه، وتنظيم ندوات ثقافية في مجال التخطيط والتوجيه والتربية السكانية من أجل المساهمة جماعيا في تحقيق تنمية تربوية جيدة قوامها الجودة الكمية والكيفية.

خاتمـــــة:

ويتبين لنا من خلال هذه الدراسة المتواضعة أن التخطيط التربوي قوام التنمية الشاملة، وأنه يساهم في الإحاطة بالظاهرة التربوية من جميع جوانبها الكمية والكيفية، وذلك بإعداد الخطط والأهداف والوسائل والإستراتيجيات البناءة من أجل تحقيق ما تم رسمه من غايات وأهداف وكفايات التي تتوج بالتطبيق والتنفيذ والتصحيح والمراقبة والتقويم القبلي والتكويني والختامي ضمن وضعيات قد تكون سهلة أو معقدة. وقد أشرنا إلى أن المخطط التربوي تتحكم فيه عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية وتقنية وسياسية ودينية.

وقد بينا أيضا أن المغرب عرف التخطيط منذ ستينيات القرن الماضي مثل معظم الدول العربية، حيث أسست مصلحة التخطيط على المستوى المركزي لتعمم في سائر الجهات والمدن والأقاليم، وبينا كذلك أن مصلحة التخطيط تنقسم إلى عدة مكاتب منها: مكتب رئاسة المصلحة، ومكتب الإحصاء، ومكتب الخريطة المدرسية، ومكتب الإعلام و التوجيه والمنح.

هذا، وقد ذكرنا مجموعة من الأدوار التي ينبغي أن يقوم بها رئيس مصلحة التخطيط من أجل تحقيق تنمية تربوية واجتماعية شاملة وذلك بتحقيق التوازن بين الواقع والممكن ، والسعي من أجل ترجمة شعار الجودة في أرض الواقع من خلال الجمع بين ما هو كمي وكيفي، ولكن بشرط أن يكون رئيس مصلحة التخطيط مؤهلا وشخصية موسوعية متعددة الاختصاصات ، وأن يبحث دائما عن الجديد، وأن يبدع ضمن تصورات البيداغوجيا الإبداعية التي نشتغل عليها في بحوثنا ودراستنا التربوية المستمرة.

ملاحظة:

جميل حمداوي، صندوق البريد 5021 أولاد ميمون، الناظور، المغرب.

jamilhamdaoui@yahoo.fr

www.jamilhamdaoui.net

رابط الاصلي للموضوع
http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2007/10/26/108473.html