لعلم النفس أهمية الكبرى وأثره البالغ في حياة الأفراد والجماعات، فهو يعرفنا أنفسنا تمام المعرفة ، كما يساعدنا على فهم غيرنا ،ولا يكاد يوجد شخص إلا وهو مزود بمعملة النفسي الخاص الذي يختبر فيه ما يجر يفي قرارة نفسه، أو ما يختل في النفوس غيره من الأفراد الذين يتعامل معهم ،وفي كلتا الحالتين ،يسطتيع أن يستمد أحكامه على نفسه أو على غيره في ضوء هذا العلم ،لكي يكيف سلوكه ويوائم بين رغباته وبين الوسط الذي يعيشه .

وأهمية هذا العلم أنه يظهر لنا سلوك الناس وتصرفاتهم وأعمالهم من حيث هي المظهر للحياة النفسة التي يعيشها الإنسان بوصفه كائنا حيا له ناحيته الوجدانية التي تحدد موافقه وعواطفه نحو غيره ، لإن الإ نسان ليس آلة تتحرك بغير وعي ولا إدراك ولا شعور ، ويجب أن لا ننسى أن الإنسان يستمد أخلاقه وشخصيته من نفسه التي تنطوي على الضمير الخفي ، والمشاعر الباطنية ، وهي التي تشكل سلوك الإنسان الخير منه وشرير

حينما كنت أعمل منذ عدة سنوات في إحدى دول الخليج العربي صادفتني سيدة هي زوجة لأحد زملائنا من المصريين العاملين معنا هناك، هذه السيدة كانت دكتورة في علم النفس وكانت متمكنة جدا من مادتها. أذكر في إحدى الزيارات العائلية كنا نجتمع أنا وزوجتي وهذه السيدة وزوجها وعائلة أخرى من زوج وزوجة في بداية عهدهما بالعمل هناك. أذكر هذه السيدة الأخرى وهي تحاور الدكتورة النفسية زوجة زميلنا عن علم النفس والقدرات التي يتمتع بها الدكتور النفساني في معرفة أسرار الناس بل وقدرته على تغيير شخصية أي إنسان إلى أي شكل يريد، ومن ضمن الأشياء التي تناولتها الدكتورة النفسية عن موضوع تغيير الشخصية جملة علقت في ذهني لسنوات ومازالت عالقة حتى الآن، ومضمونها أنها تستطيع بسهولة شديدة وباستخدام أدوات علم النفس أن تحول فتاة معينة نعرفها جيدا معروفة بأخلاقها العالية وابنة لأحد زملائنا إلى راقصة. علقت الجملة في ذهني وبدأ التساؤل يلح علي.. هل علم النفس خطير إلى هذه الدرجة؟ هل من يدرسه يستطيع القيام بعمل خطير مثل هذا الذي ذكرته هذه السيدة المتخصصة في علم النفس والمتمكنة منه؟ لقد بقي الموضوع عالقا في ذهني وإن كنت قد انشغلت بأحداث الحياة، حتى رجعت نهائيا إلى أرض الوطن.

ذات مرة التقيت بشاب في العشرينيات كان يقوم بأعمال التركيب والصيانة للحاسب الآلي الخاص بي، ورغم تمكن هذا الشاب من كل ما يخص الحاسب الآلي، إلا أنني اكتشفت أنه غير متخصص فيه وأن تخصصه الأساسي هو علم النفس الذي حصل فيه أثناء التعليم الجامعي على درجة عالية إلا أنه لم يعين بهيئة التدريس، كما أنه لم يعثر على عمل في مجال التخصص رغم تفوقه فيه، فاضطر إلى احتراف مهنة صيانة الحواسب.. نشبت صداقة بيني وبين هذا الشاب الذي في مقتبل العمر رغم فارق السن بيننا، وتذكرت ما كانت تتحدث به الدكتورة النفسية زوجة زميلنا أثناء العمل خارجا، فما كان مني إلا أن بدأت في محاورة هذا الشاب في مجال علم النفس وسردت له ما كانت ترويه الدكتورة النفسية فأجابني بالإيجاب، وقال لي إن الأمر أخطر من هذا بكثير، وأنه بنفسه قد أفادته دراسة علم النفس في إقامة علاقات آثمة مع بعض الفتيات بعد أن قام بعملية غسيل مخ لهن باستخدام أسرار التحليل النفسي وسيكولوجية الشخصية وسيكولوجية التعلم والتي تعلمها حتى أتقنها، وأذكر قوله لي: إن من يتعلم علم النفس ويتقن "سيكولوجية التعلم" بالأخص فإنه يكون قد حصل على كنز ثمين يتمثل في استطاعته تحويل أي إنسان إلى الشكل الذي يريده.

صعقتني كلمات الشاب واستنفرني للبحث عن ذلك العلم الغامض والعجيب الذي يستطيع تحويل التراب إلى ذهب، بل وتحويل الذهب إلى تراب.. بحثت عن متخصصين من خريجي أقسام علم النفس بكليات الآداب ووجدت أن معظمهم لا يعرفون شيئا في علم النفس والذي أكد لي ذلك أنني بدأت في الاطلاع على هذا العلم العجيب واشتريت فيه من الكتب والمراجع ما كلفني الكثير.. الذي أكد لي ضعف هؤلاء الخريجين أنني تناقشت معهم في موضوعات علم النفس فوجدت أنهم لا يعرفون عنه إلا ما بقي من المعلومات التي ضاع معظمها بمجرد الخروج من قاعة الامتحانات، إلا أن بعضهم وجدته على دراية معقولة رغم أنه لايدرك أهمية الموضوع وخطورته.

أحد الأصدقاء حينما علم بلهفتي لدراسة هذا العلم قابلني بأحد الدكاترة في علم النفس الذي تحدثت إليه لساعات وكان حديثا ممتعا للغاية، وذكر لي ما هو أخطر من تحويل الفتاة الخجولة المهذبة إلى راقصة أو إقامة علاقات آثمة مع بعض الفتيات اللواتي من الأصل ارتضين الخروج مع شاب غريب، لقد سرد لي هذا الدكتور حكاية من أعجب ما يمكن.. حكى لي عن رجل أعزب ميسور الحال ويقطن في فيلا فخمة ووورث من الأملاك من عمارات وخلافه الكثير والكثير، هذا الرجل مات فجأة في أوائل الأربعينات من العمر، وبعد إجراءات الدفن والعزاء ذهب أقرباؤه إلى فيلته للحصول على ميراثهم. لقد وجدوا الأموال والأوراق كلها منظمة في ملفات وموجودة في أدراج المكتب وعلى الأرفف، إلا أن ما حيرهم أمره تلك الخزينة الضخمة في غرفة المكتب. ماذا يوجد بداخلها؟ أموال؟ لا، فكل الأموال وجدوها إما نقودا في الأدراج أو أوراق صادرة من البنوك.. أوراق؟ حجج أملاك؟ لا، فكل الأوراق وجدوها في الأدراج وعلى الأرفف.. ماذا تحوي تلك الخزينة الضخمة إذن؟

فتحوها بعد ساعات من الجهد ليجدوا المفاجأة.. قرابة العشرين ملفا ضخما تمتلئ بالكلام الغامض والجداول والرسوم البيانية وكلام يفهم منه صلته بعلم النفس، حيث كان الفقيد خريجا لقسم علم النفس من إحدى كليات الآداب، أغلقوا كل شيء وأعادوا الملفات إلى مكانها ليتصلوا بإحدى قريباته عمته أو خالته المتخصصة في علم النفس والتي أقنعته من البداية بالتخصص في علم النفس لتحضر السيدة المسنة ويهيأ لها المقعد المريح في الفيلا وليأتي لها شباب العائلة بالملفات من الخزينة لتطلع عليها.. وكانت المفاجأة التي أصابت العائلة بالخزي والعار.. المرحوم الفقيد كان عازفا عن الزواج لانشغاله بعلاقات آثمة ليس مع فتيات مراهقات في هذه المرة ولكن مع سيدات متزوجات وأمهات من المفروض أن يكن متفرغات لرعاية الزوج والأولاد.

كل ملف من الملفات العشرين أو ربما أكثر لزوجة وأم أقام معها الفقيد علاقة زنا آثمة.. كان الفقيد يحوم حول ضحيته ليسجل كل شيء عنها. كل صغيرة وكل كبيرة عنها وعن زوجها وعن أولادها يسجلها بدقة، ثم يستخرج من تلك المعلومات المتاحة ما خفي من معلومات، ويحلل الشخصيات ليعرف مدخل كل شخصية حتى يستطيع النفاذ إليها، وكل ذلك مسجل بدقة في الملفات التي اصطنعت تلا أو جبلا صغيرا داخل الخزينة الضخمة في غرفة المكتب، ثم يتعرف على السيدة لتكون المحصلة علاقة زنا آثمة، وأكدت العمة أو الخالة أنه يستمتع بالعلاقات الآثمة مع السيدات المتزوجات واللواتي لهن أولاد، بل وأيضا البادي عليهن الاحترام والوقار، وأكدت أن حبه لهذا النوع من السيدات هو نوع من أنواع الشذوذ الذي وجد الطريق إليه ممهدا عن طريق دراسته لعلم النفس وسبره لأغوار النفس البشرية، كذلك حالته المادية الميسورة والتي سهلت له التفرغ للقيام بتلك المهمات الدنيئة حيث كان الفقيد يمتلك شقة في كل عمارة من العمارات الداخلة تحت حوزته والتي كانت نقطة انطلاق لإقامة العلاقات الآثمة مع السيدات المقيمات بالعمارة.

لست أدري هل نمنع دراسة علم النفس بالجامعات؟ أم هل نحكمها بمقررات معينة تبتعد عن بعض الأسرار التي قد يستغلها ضعاف النفوس لممارسة الفواحش والمحرمات؟ وإذا ألغينا دراسة علم النفس فمن يخفف الآلام عن المرضى؟ وإذا أحكمنا المقررات فالدارس قد يلجأ إلى المراجع والتي تباع في كل مكان، كذلك لا ننسى أن الكثيرين يرتكبون المحرمات دون دراسة علم النفس.. الموضوع شائك جدا.
يهتم علم النفس بفهم الإنسان ومحاولة تغيير أو تعديل سلوكه ، كما أن الغرض الرئيسي لكل علم ومن بينها علم النفس وصف الظواهر التي يدور حولها مجال بحثه وفهمها وأسباب ظهورها ، أي أن العم يمر بمرحلتين وله جانبين :
أ‌. و علم النفس قبل أي علم له ناحية نظرية تتمثل في دراسة الظواهر النفسية التي تتضح في السلوك الخارجي بغرض التوصل إلى القوانين العامة أو المبادئ التي تحكم هذه الظواهر.
ب‌. وناحية تطبيقية تتمثل في الاستفادة من هذه القوانين في التحكم في السلوك الإنساني وتغييره وتوجيهه التوجيه السليم.
ومن بين اهتمامات علم النفس تصميمه لمقاييس السلوك العادي في مقابل السلوك المرضى ووضع حلول لكثير من المشاكل اليومية.
وتظهر أهمية علم النفس وفوائدها بصورة أوضح إذا ما استعرضنا فروعه أو ميادينه :

• علم النفس العام:
وهو مدخل لكل العلوم النفسية ، يهتم بدراسة المبادئ و القوانين العامة لسلوك الإنسان الراشد السوي ويحاول أن يستخلص الأسس السيكولوجية العامة للسلوك الإنساني التي تصدق بوجه عام على جميع الأفراد وبصرف النظر عن الحالات الخاصة أو المواقف الإجتماعية الخاصة التي قد تختلف من فرد إلى آخر ، فهو يدرس مثلا مبادئ التعليم وقوانينه العامة التي تنطبق على جميع حالات التعليم الإنساني ، وبصرف النظر عن الموضوع في المدرسة أو المصنع أو في الجيش فأمر يخرج عن اختصاصات علم النفس العام ومن الموضوعات الرئيسية التي يدرسها علم النفس العام الدوافع و الانفعالات و الإدراك والتعليم والتذكرة و التفكير والذكاء والشخصية.

• علم النفس الفسيولوجي :
يعنى بوجه عام بدراسة الأساس الفسيولوجي للسلوك الإنساني ، فهو يهتم بدراسة الجهاز العصبي ووظائفه المختاغة ،و يحاول مثلا أن يعرف كيف يحدث الإحساس وكيف ينتقل التيار العصبي في الأعصاب وكيف يسيطر المخ على الشعور و السلوك ، وهو يدرس الوظائف المختلفة للغدد الصماء وغير الصماء وكيفية تأثيرها على السلوك وهو يدرس أيضاً الأساس الفسيولوجي للدوافع وغير ذلك من الميكانزمات العصبية للنشاط النفسي.

• علم النفس الفارقي:
يهتم بدراسة الفروق بين الأفراد و الجماعات و السلالات و الأجناس , ويقف على أسباب تلك الفروق وطريقة تكوينها و العوامل المؤثرة فيها ويستخدم علماء النفس في هذه الدراسة الاختبارات و المقاييس السكولوجية المختلفة لقياس الذكاء والقدرات العقلية المختلفة.

• علم نفس الطفل [ أو النمو]:
يعنى بدراسة نمو الطفل و المراحل المختلفة التي تمر بها عملية النمو و العوامل التي تؤثر فيها و الخصائص العامة التي تميز مراحل النمو ، وتمدنا هذه الدراسات بكثير من المعلومات التي تجعلنا أكثر قدرة على فهم شخصية الطفل وسلوكه ودوافعه ، واتجاهاته في مراحل حياته المختلفة وتجعلنا أقدر على توجيهه وتربيته.

• علم النفس الاجتماعي:
يهتم بصفة خاصة بدراسة علاقة الفرد بالجامعة وعلاقة الجماعات بعضها ببعض ، فهو يهتم بدراسة التنشئة الاجتماعية للفرد وكيفية تأثر بالنظام الاجتماعي والحضارة بالثقافة التي ينشأ فيها ، وكيف يؤثر ذلك في تكوين اتجاهاته واعتقاداته وميوله وهو يدرس سيكولوجية الجماهير والرأي العام والدعاية.

• علم النفس التطبيقي:
يدرس تطبيق القوانين النفسية التي توصل إليها علماء النفس في مجالات الحياة المختلفة ومن فروعه علم النفس التربوي ، علم النفس الصناعي و التجاري و الجنائي و الحربي و الكلينكي .