تكوين الذات المعلوماتية
الحياة بدون ثقافة معلوماتية كالماء الراكد سرعان ما يصيبهُ الأسَنْ.
لا شك أن الجبالة التي يفطر عليها الإنسان منذ بدائيات إدراكه وهو في نعومة الأظفار تشكل لديه في مرحلة نمو الوعي كسباً لإعطاء معاني عظيمة لمعرفته التي يكتسبها من خلال المحيط العائلي والاجتماعي الذي يرى ويسمع ما له وما عليه إذ يلاحظ أن الإنسان يقف دائماً وراء كل حدث تقريباً ولكن المعرفة النوعية تبقى دائماً هي المعين لكل خير.
وغبطة المرء في إعطاء نفسه حقاً من التعلم المعرفي تجعله يدرك أن السعادة لا تأتي مع كسب المال فقط أو التمتع بصحة وعافية جيدين مادام هناك (الطرف الآخر) من شخص أو أكثر يشاركه أفراحه وأتراحه وهو بالذات يتبادل مع ذلك الطرف الآخر شعوراً متبادلاً غالباً ما يقترن بمواقف مشتركة أو استيعاباً مماثلاً للأمور.
يقول مونتين: (أعظم ما في الحياة أن تعرف كيف تكّون نفسك) وطبيعي فهذا ليس راً إذ أن بدون هذا التكوين فيحتمل أن يعيش الإنسان على هامش الحياة ومن هنا فإن تفادي الشعور بالإحباط المعلوماتي للتجربة الشخصية الطموحة لا يمكن أن يتم دون أن يملك الإنسان مقومات مواكباته لما يحدث في العالم وكيف تخطى هذا العالم مراحل تخلفه وسار على طريق حكمته خطوات بطيئة استغرقت عبر التاريخ البشري آلاف السنين حتى إذا ما وصل إلى مرحلته المعلوماتية المتصاعدة الآن أخذ اهتمامه يتوسع للإحاطة بكل شيء ولو بإحاطات معلوماتية متواضعة بعد أن أصبح لكل مجال تخصص خاص عليه أن يعلم شيئاً عنه في معلومة (ولو مختصرة) وهذا لن يأتي بكل تأكيد قبل مطالعات عمومية تشمل التأريخ العالمي برمته وكيف تطورت فيه النظرات إلى الحياة وعلاقاتها الاجتماعية المتشابكة.
ولعل من أوليات تكون الذات الثقافية – المعلوماتية أن تُقرن المطالعات والمتابعات على بصيرة الاستيعاب العادل لما كان وما يسود اليوم من نظرات ومواقف من الحياة ولأجل تحقيق غدها الأفضل السعيد المنشود لبني البشر حقاً. فكل علم وكل نظرية وكل ابتكار ما لم يصب في صالح بوتقة الإنسانية لا يستحق احتراماً وإن كان الأشرار قد استغلوا توظيف المعرفة العلمية وطبقوا استعمال بعض مخترعاتها من أجل الحصول على سعادة أكثر لهم مقابل تعاسة أكبر للإنسان وفي هذا ما يمكن الإطلاق عليه تسمية: (الجهل بغاية تواجدنا في هذه الحياة).
إن الإنسان الجدير أن يتولى مسؤوليته على ذاته.. يستطيع بكل تأكيد التعب على ذاته ومدها بتكوينات المعرفة رويداً رويداً ففي هذا العصر الذي أضاف للإطلاع اليومي على الكتاب والصحيفة والبرنامج الإذاعي ومادة التلفزيون اختراع الكمبيوتر والانترنيت الممكن الاستفادة منهما سواء داخل المكتب أو البيت فإن إتاحة الفرص للكسب المعلوماتي لأي مجال أضحى من الأمور السهلة بالنسبة للميسورين أو الذين بإمكانهم اقتناء الأجهزة الإلكترونية الخاصة بذلك أو ممن تتاح لهم الفرص فقد دلت الوقائع أن المثقفين هم دوماً في طليعة كل مجتمع والإنسان الواعي بمداه الثقافي والمعلوماتي الإنساني يستطيع بذكائه أن يعرف خلفية أي تعقيد ضمن دائرة لعبة العيش والحياة.
وإذ تدل التوجهات العملية لإكساب المرء مزيداً من الثقافات ضمن خط تكوين الذات المعلوماتية فلا غنى لمعرفة النتاج والأفكار السائدة اليوم وللإنسانية تراث ضخم من خلاصات الحكمة إذ لا مجال مفضل قبل العود على بدء ولو بإطلاع مختصر على كل النشاط البشري – الإنساني فبذاك فقط يمكن معرفة الأشواط العلمية التي قطعها الإنسان لصالح جماليات سعادته وإشباع طموحاته التي لا تقف عند حدود كما هو معروف.
ولعل من بديهيات التفكير السليم بهذه المرحلة التاريخية الصاخبة بالأحداث الجسام المسببة لمعاناة الإنسان الذي يرى بأم عينيه أن العالم ممكن أن يكون بأفضل صورة إذا ما رممّت مبادئ إنسانيته عند القادرين على إيقاف عدم معالجة مشاكل الخلق على وجه الأرض فبذاك فقط سيمكن توديع المتاعب الفكرية بعد أن أصاب الإنسان المعاصر شيء من الاعتقاد أن نظرية (الضغط يوّلد الانفجار) ليست دائماً تحدث فالضغط قد يولد الانهيار سواء كان انهياراً وقتياً أو دائماً!.
وطبيعة الإنسان ذا السجية اللاهثة لمعرفة الحقيقة حتى في الأمور الصغيرة أحياناً إذا ما جعل مبدأ أن تكوينه الذاتي الثقافي المعلوماتي هو أمر مهم لأجل تحقيق ذاته المعرفية ولو بمستواها المقبول في حدها المحبذ فيكون عند هذه النقطة قد أدرك أنه قد خطى أولى الخطوات الرائعة نحو خلق بيئة ثقافية معلوماتية يمكن أن تحتذى من قبل الآخرين